خطر إشاعة الفساد في المجتمع
كتبه: العلامة الشيخ حسين المصطفى
حرر في: 2010/06/15
التعليقات: 0
القراءات: 1821
علينا أن نتقي الله في أنفسنا وفي من حولنا، ولو أصبح لكل شخص أن يحاكم شخصاً على جريمة ارتكبها لعمت الفوضى، ولما رخى ستر العدل على المجتمع .

يقول زين العابدين عليه السلام -مكارم الأخلاق- : وألبسني زينة المتقين، في بسط العدل وكظم الغيظ، وإطفاء النائرة، وضمّ أهل الفُرقة، وإصلاح ذات البين، وإفشاء العارفة، وستر العائبة .
 

خطر إشاعة الفساد في المجتمع

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.

ولنا وقفة في أجواء هذه الآية الكريمة :

1 - يؤكد القرآن على وجوب نقاء الأجواء الإسلامية من التهمة والافتراء والبهتان والقول السيئ.

2 - المسلمون مكلّفون بوأد كل ما يسمعونه عن إخوانهم وأخواتهم المؤمنات طالما لم يبلغ حد اليقين القطعي -لا بمجرد الظن والتصور- وأن لا يتناقلوه حتى بصورة لقد سمعت ما دامت ليست فيه أية بينة شرعية، لأنّ نقل الكلام على هيئة سمعت أنّ هو نوع من إشاعته أيضاً.

3 - الإسلام يرفض أي نوع من الإشاعة لمثل هذه الأقاويل والأخبار القذرة الدنيئة فقد جاء في الآية: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أي إنكم لا تعلمون مدى جسامة هذه الجريمة، وما تشتمل عليه هذه القضية من مفاسد سلبية على أكثر من صعيد، مما يفرض الردع على كل المستويات، بحجم العقوبة المقررة لها .. فلا تقبل أية شهادة منهم، وإدانتهم بالفسق والفجور، وافتضاح أمرهم.

4 - يريد الإسلام أن تتوطد أسس المجتمع الإسلامي على أساس الثقة المتبادلة وحسن الظن والقول الحسن، ولهذا السبب حرّم الغيبة إلى الحدّ الذي جعل القرآن الكريم يقول عنها: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً، وعلى هذا الأساس يؤكد القرآن بصيغ وأساليب شتى على هذه القضية...

5 - أحد الذنوب الكبيرة التي توعد القرآن بالعذاب الأليم جزاءً لها هي (إشاعة الفحشاء) بين الناس. فهناك من يروج لإشاعة الفساد بين الناس لأغراض مادية أو لأطماع أخرى. وأكثر هذه الأغراض في عصرنا الحاضر أغراض إعلامية تنافسية؛ لأنّه ما من شيء يضعف المجتمع مثل شيوع الفساد والفحشاء.

فإذا كنت ترمي إلى صرف شباب بلد ما عن القضايا الجادة والمصيرية وتُلهيهم عن النشاط والعمل المثمر...، فما عليك إلا أن تشيع الفساد بمختلف أشكاله.

ولذا جاء في الحديث الصحيح عن الإمام الباقر عليه السلام قال: خطب رسول الله excaim الناس فقال: ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الذي يمنع رفده، ويضرب عبده، ويتزوّد وحده. فظنوا أنّ الله لم يخلق خلقاً هو شر من هذا.

ثم قال: ألا أخبركم بمن هو شر من ذلك؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الذي لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره. فظنوا أنّ الله لم يخلق خلقاً هو شر من هذا.

ثم قال : ألا أخبركم بمن هو شر من ذلك ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المتفحّش اللّعان الذي إذا ذكر عنده المؤمنون لعنهم، وإذا ذكروه لعنوه(الكافي: ج 2 ص 290).

وإلى هنا توقف الرسول، ومعنى هذا أنه لا يوجد من هو شر من هذا.

6 - إنّ الكثير من الذنوب لا عذاب لها في الدنيا، ولكن لكل ذنب عقوبة في الآخرة. إلا أنّ ثمة ذنوب لا يتغاضى الله عن المعاقبة عليها حتى في دار الدنيا.

وأحد هذه الذنوب هو ذنب التهمة وهدر كرامة الآخرين. فمن يتهم الآخرين بالباطل سيقع هو في نفس هذا المأزق يوماً ما؛ فقد يأتي شخص مثله ويتهمه بالباطل، أو يفتضح أمره وتهدر كرامته بشكل أو بآخر..

7 - تساهم الإشاعات والكلمات اللامسؤولة في انحراف الفكرة والإحساس والموقف؛ فإنّ الإنسان يتأثر بالمجتمع سلباً أو إيجاباً من خلال الفكرة التي يحملها عنه، أو من خلال الجو الذي يحتويه بفكره وروحه وحركته.

وقد يكون هذا هو السبب في تحريم الإسلام لتداول الحديث في الجو الاجتماعي العام عن الانحرافات الحقيقية التي تحدث في المجتمع بحيث تصبح تلك الانحرافات حديث الناس كلهم، لأنّ ذلك يخدش سلامة التصور الأخلاقي الذي يحتاجه الإنسان في عملية النمو الذاتي، بما يثيره من مشاعر سلبية منحرفة.

كما قد يسيء إلى سمعة (الإنسان المنحرف) الذي لا يريد الإسلام أن يتحول الخطأ عنده إلى عقدة مستحكمة بسبب خوض الناس فيه، بل يريد الإسلام أن يفسح له فرصة التحرك نحو التصحيح في خطوة تراجعية دون أن يفقد شيئاً من الإحساس بالكرامة، ما دام الخطأ حالة طارئة خفية عاشها، ويشعر بثقلها في داخله.

والذي يهمنا هو تحذير المجتمع من مغبة الوقوع في براثن الذين يختلقون الشائعات وينشرونها بين الناس، وأن نعلّم الناس بأن يدفنوا الشائعة في موضع نشوئها.

 يقول زين العابدين عليه السلام -في دعاء مكارم الأخلاق-: وألبسني زينة المتقين، في بسط العدل وكظم الغيظ، وإطفاء النائرة، وضمّ أهل الفُرقة، وإصلاح ذات البين، وإفشاء العارفة، وستر العائبة ، ….

 

ويقول أيضاً: اللهم اجعل ما يلقي الشيطان في روعي من التمني والتظني والحسد ذكراً لعظمتك، وتفكراً في قدرتك، وتدبيراً على عدوك، وما أجرى على لساني من لفظة فحش، أو هَجرٍ، أو شتمِ عِرضٍ، أو شهادةِ باطلٍ، أو اغتيابِ مؤمنٍ غائب، أو سبِّ حاضرٍ وما أشبه ذلك نطقاً بالحمدِ لك، وإغراقاً في الثناءِ عليك، وذهاباً في تمجيدك، وشكراً لنعمتك، واعترافاً بإحسانك، وإحصاءً لمننك.

 

لذا علينا أن نتقي الله في أنفسنا وفي من حولنا، ولو أصبح لكل شخص أن يحاكم شخصاً على جريمة ارتكبها لعمت الفوضى، ولما رخى ستر العدل على المجتمع، فقد حولنا عمل القضاة ومن إليهم الفصل في الدعاوى إلى تراشقات بألسنتنا في مجالسنا ودورنا فأعوذ بالله مما يفعله الجاهلون أو المستهترون أو الغافلون.





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد

العلامة الشيخ حسين المصطفى

- الشيخ حسين بن علي المصطفى
- ولد في القلعة بالقطيف عام 1382 هـ (1962م)
النشأة والدراسة :
ـ تلقى دراسته الأولية (الابتدائي والمتوسطة والثانوية) في مدارس القطيف.
ـ هاجر إلى قم المقدسة في عام 1402 هـ ودرس في حوزتها، وهاجر إلى النجف الأشرف في عام 1407 هـ ودرس في حوزتها بضعة أشهر، وهاجر ثالثاً إلى قم المقدسة في عام 1416 هـ ورجع إلى بلده في عام 1419 هـ.
درس المقدمات على يد: الشيخ إبراهيم الغراش ـ السيد منير الخباز - الشيخ محمد علي المعلم ـ الشيخ عباس العنكي ـ الشيخ محسن المعلم.
ودرس السطوح على يد: الشيخ محسن المعلم ـ الشيخ عباس العنكي ـ السيد منير الخباز.
ودرس البحث الخارج على يد: السيد كاظم الحائري ـ السيد أحمد المددي ـ الشيخ محمد الرحمتي ـ الشيخ هادي آل راضي النجفي ـ الشيخ حسين النجاتي.

المهنة والعمل:
عالم دين فاضل، وإمام جماعة، وكاتب وباحث.

العنوان:
القطيف ـ الناصرة (أ) ـ ص . ب 61012


الأعمال والنشاطات:
ـ امّ صلاة الجماعة في مسجد الإمام الخوئي بالقطيف سنين طويلة .
ـ محاضر في المحافل العامة.
ـ قام بتدريس العديد من الكتب الحوزوية في النحو، وأصول العقيدة، والمنطق، والفقه، والأصول، وفقه الحديث، والرجال.
ـ انتخب في عام 1416 هـ ليكون أستاذاً مساعداً في الجامعة العالمية بلندن من قبل سماحة الدكتور الحجة الشيخ عبد الهادي الفضلي، ولكنه رفض لتهيئه للسفر إلى إيران لإكمال دراسته العليا.
ـ أحد محرري مواد الموسوعة الإسلامية الكمبيوترية بقم المقدسة.
ـ أحد مؤسسي دار المصطفى (ص) لتحقيق التراث بقم المقدسة .

الجدير بالذكر أنّ الكاتب الشيخ حسين علي المصطفى قد كتب العديد من المؤلفات هي :
1- همدان القبيلة والولاء .
2- الحرمان الشريفان، دراسة موجزة ـ (طبع).
3- الغضب، دراسة سيكولوجية معرفية موضوعية في التراث الإسلامي ـ (طبع).
4- أسرار العبادات ـ (طبع).
5- أضواء على معالم المدينة المنورة وتاريخها - (طبع).
6- مصادر البحث عن القطيف والقطيفيين ـ طبع ـ.
7- ثقافتنا الجنسية بين فيض الإسلام واستبداد العادات (ط2).
8- مطارحات في الدين والفكر والمجتمع - القسم الأول -(طبع).
9- الزواج المؤقت بين المشروعية والانحراف (طبع).
10- مناسك الحج (طبع).
11- في آفاق الدين والحياة (مجموعة محاضراته ومقالاته).
12- في أصول العقيدة (دروس مكتوبة).
13- حاشية على منطق المظفر.
14- حاشية على أصول الفقه.
15- حاشية على الحلقة الأولى من أصول الشهيد الصدر.
16- أعلام الشيعة في منطقة الحرمين.
17- كتابات منثورة ( في الفقه، والرجال ، والتراجم، والتاريخ، والأدب ).
18- مشروع شرح وسائل الشيعة للحر العاملي (بحوث مكتوبة) نفذ منه الجزء الأول بقلم أحد تلامذته .
19- علوم الحديث بين النظرية والتطبيق( دروس مكتوبة ).
20- فلسفة العبادات ( ط 2 ) .
21- ملامح المنهج التربوي في النهضة الحسينية .

• سيصدر قريباً :
1 - معجم فقه المناسك في خمسة مجلدات ( يعد للطباعة ).
2 - مطارحات في الدين والفكر والمجتمع - القسم الثاني - ( جاهز للطبع ).

2011/12/25 | أقلام ورؤى | القراءات:2874 التعليقات:0
2010/06/15 | فكر وثقافة | القراءات:1821 التعليقات:0
2009/10/15 | عقائدي | القراءات:1746 التعليقات:0
2009/09/15 | أنشطة وفعاليات | القراءات:1656 التعليقات:0
2009/09/11 | فقهي | القراءات:1813 التعليقات:0


ارسل لصديق