المكانة الإنسانية للمرأة من المنظور القرآني
كتبه: الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري
حرر في: 2009/08/24
التعليقات: 0
القراءات: 2249
كيف ينظر الإسلام إلى المرأة ؟ هل يعتبرها مساوية للرجل من حيث الشرف والكرامة الإنسانية، أم يراها أدنى منه جنساً ؟

كيف ينظر الإسلام إلى المرأة ؟ هل يعتبرها مساوية للرجل من حيث الشرف والكرامة الإنسانية، أم يراها أدنى منه جنساً ؟

سأجيب عن هذا التساؤل في مايلي :
للإسلام فلسفته الخاصة في ما يتعلق بالحقوق العائلية لكل من الرجل والمرأة ،وهي فلسفة تختلف عمّا كان يجري قبل أربعة عشر قرناً وعمّا يجري في عالم اليوم .
فالإسلام لم يعّين للمرأة والرجل حقوقاً وواجبات وعقوبات من نوع واحد في جميع الحالات ,وإنما اعتبر بعض الحقوق والتكاليف والعقوبات أكثر انسجاماً مع طبيعة الرجل ، فيما اعتبر نوعاً آخر منها أكثر ملائمة لطبيعة المرأة وبالتالي فقد وضع في الحسبان وضعاً متشابهاً لهما في بعض الحالات ،وجعل لهما في حالات أخرى وضعاً مختلفاً متبايناً .
ولكن لماذا هذا التفاوت ؟ وعلى أي أساس ؟ ألأنَّ الإسلام ينظر إلى المرأة ،كما هو الحال بالنسبة للكثير من المذاهب الأخرى نظرة ازدراء ويعتبرها من جنس أدنى ؟
أم أن لذلك سبباً آخر وفلسفة أخرى؟
لابد وأنكم سمعتم وقرأتم مرّات عديدة في أحاديث وكلمات وكتابات أنصار النظم الغربية بأنهم يشيرون إلى أن الأحكام الإسلامية بشأن المهر والطلاق والنفقة وتعدد الزوجات وأمثالها ، تنطوي على استهانة بالمرأة واحتقار لها .
ويزعمون من خلال ذلك بأن هذه الامور لا يوجد لها اي سبب سوى رعاية جانب الرجل ،ويقولون بأنّ جميع احكام العالم وقوانينه التيى وضعت قبل القرن العشرين قامت على اساس فكرة ان جنس أشرف مرتبة من المرأة وان المرأة خلقت من اجل استفادة واستمتاع الرجل والحقوق الإسلامية تدور ايضاً حول محور مصالح الرجل ومنافعه .
يدعي هؤلاء ان الإسلام دين الرجل ولم يعترف بالمرأة كإنسان كامل بمعنى الكلمة ،ولم يضع لها الحقوق اللازمة للانسان . ولو كان الإسلام يعتبر المرأة انساناً كامل الخصائص لما أجاز تعدد الزوجات ولم يجعل حق الطلاق بيد الرجل ،ولما جعل شهادة المرأتين بمثابة شهادة الرجل الواحدة ولما أعطى ولاية الأسرة للزوج ولما جعل شهادة المرأتين بمثابة شهادة الرجل الواحد ولما أعطى ولاية الأسرة للزوج ولما جعل ارث المرأة نصف ارث الرجل ،ولما جعل للمرأة ثمناً اسمه المهر ولأعطى المرأة استقلالها اقتصادي والاجتماعي ولما جعلها عالة على الرجل وأوجب نفقتها عليه .
ويستنتجون من كل هذه الأمور بأن الإسلام آراء تحتقر المرأة وتعتبرها أداة بيد الرجل ويقولون : على الرغم من أن الإسلام دين المساواة ومع أنه راعى المساواة في حالات أخرى ، بيد أنه لم يساو بين الرجل والمرأة ويقولون بانّ الإسلام جعل للرجال امتيازات وحقوقاً إضافية .
ولو لم يكن مؤمن بامتياز الرجال وارجحيتّهم الحقوقية لما وضع الأحكام المذكورة أعلاه .
ولو أردنا ان نصوغ استدلال هؤلاء السادة بأسلوب المنطق الأرسطي ،لجاء على النحو التالي : لو كان الإسلام يعتبر المرأة إنساناً بمعنى الكلمة لسنّ لها حقوقاً مشابهة ومساوية لحقوق الرجل ،إلاّ انه لا يعترف لها بحقوق مشابهة ومساوية لحقوق الرجل ، إذن فهو لا يعتبر المرأة إنساناً حقيقياً .

تساو ٍ ام تشابه ؟
المبدأ الذي استخدم في هذا الاستدلال هو أنّ الشرط المترتّب على اشتراك الرجل والمرأة في الكرامة والشرف الإنساني هو تساويهما وتشابههما في الحقوق .
ثمّ إن المطلب الذي ينبغي الإشارة إليه من الوجهة الفلسفية هو : ما الشرط المترتّب على اشتراط المرأة والرجل في الكرامة الإنسانية ؟.
هل يستلزم ذلك أن تكون لهما حقوق متساوية بحيث لا يكون هناك أي تمييز أو ترجيع حقوقي ، أم ان ذلك يستلزم ان تكون حقوق المرأة والرجل فضلاً عن التساوي متشابهة ومتناغمة من غير أن يكون هناك تقسيم للإعمال والواجبات .
لا شك في أن اشتراك المرأة والرجل في الكرامة الإنسانية وتساويهما في البعد الإنساني يستلزم تساويهما في الحقوق الإنسانية ولكن ما ذا عن تشابههما في الحقوق ؟
إذا شئنا أن نؤثر التخلّي عن التقليد والانقياد الأعمى للفلسفة الغربية وسمحنا لأنفسنا بالتفكير يستلزم تشابه الحقوق أيضا ،أم لا ؟ من الطبيعي ان التساوي غير التشابه ،لأن التساوي يعني التعادل والتشابه يعني التناغم والانسجام فقد يقسّم الأب ثروته بين أولاده بالتساوي ،ولكنه لا يقسمها بشكل متشابه ،فقد تكون للأب ثروة على شكل أملاك مختلفة كأن يكون لديه متجر ،وملك زراعي وعقارات للإيجار ،ولكن بما انه كان قد أجرى تقييماً مسبقاً لكفاءات أولاده ولا حظ على أحدهم ميلاً للعمل التجاري ورأى في آخر رغبة في الزراعة ، ولدى ثالث رغبة في إدارة العقارات فهو حينما يشاء تقسيم ثروته في حياته بحيث يكون ما يعطيه لجميع أولاده متساوياً من ناحية القيمة ولا يكون فيه تمايز أو ترجيع ،فهو يعطي لكل واحد منهم الثروة المنسجمة مع كفاءته .من الطبيعي أن الكمية شيء آخر غير الكيفية ، والتساوي هو غير التشابه ومن البديهي ان الإسلام لم يضع حقوقاً متشابهة لكل من المرأة والرجل ،غير انه لم يجعل للرجال ميزه وترجيحاً على النساء على الإطلاق ،فالإسلام قد راعى مبدأ المساواة بين الناس بشأن الرجل والمرأة أيضا والإسلام لا يعارض مساواة الرجل والمرأة في الحقوق وانّما يعارض تشابههما في الحقوق .
لقد اتخذت كلمة المساواة طابعاً "قدسياً ""بسبب ما تنطوي عليه من مفهوم التساوي وعدم التمايز, وأصبحت ذات جاذبية وتستحوذ على احترام السامع ، خاصة إذا قرنت بكلمة " الحقوق " .
المساواة في الحقوق ! يا له من تعبير جميل ومقدّس ! ومن ذا الذي يملك ضميراً حياً وفطرة سليمة ولا يذعن لهذا التعبير ؟!
لا أدري لماذا وصل بنا الحال ، ونحن الذين كنّا ذات يوم حملة لواء العلم والفلسفة والمنطق في العالم إلى حد بحيث صار الآخرون يحاولون فرض نظرياتهم في باب " تشابه حقوق الرجل والمرأة "" علينا تحت عنوان مقدس وهو " المساواة في الحقوق "" وهذا أشبه .....ما يكون بشخص يبيع البنجر المطبوخ وينادي بأنّه يبيع الكمثرى.
إذ من المسلّم به ان الإسلام لم يجعل للمرأة والرجل حقوقاً متشابهة في جميع المجالات ،كما انه لم يجعل لهما تكاليف وعقوبات متشابهة في جميع الحالات ، ولكن هل إن مجموع الحقوق التي جعلها للمرأة ، ذات قيمة أدنى مما جعلها للرجل ؟ والجواب طبعاً هو : لا ، كما سنبرهن على ذلك .
وهنا يبرز أمامنا آخر وهو : ما السبب الذي جعل الإسلام يسن للمرأة والرجل حقوقاً غير متساوية في بعض الحالات ؟ ولماذا لم يجعلها متشابهين ؟ وهل إنه لو كانت حقوق المرأة والرجل متساوية ومتشابهة أفضل أم ان تكون متساوية فقط وغير متشابهة ؟ ولغرض دراسة هذا الأمر على نحو كامل ، ينبغي بحثه على ثلاثة اقسام :
1-  نظرة الإسلام إلى المنزلة الإنسانية للمرأة من حيث الخلقة .
2-  ما هي الغايات من تفاوت المرأة والرجل في الخلقة ؟ وهل يستلزم هذا التفاوت عدم إقرار حقوق طبيعية وفطرية متشابهة للرجل والمرأة ،أم لا ؟
3-  ما هي فلسفة الاختلافات الموجودة في الأحكام الإسلامية بين الرجل والمرأة وايجاد التمايز في بعض الحالات بينهما بحيث يكونا في وضع غير متشابه ؟ وهل إن تلك الفلسفة لا زالت سارية المفعول أم لا ؟

تتناول في ما يلي دراسة مكانة المرأة في الرؤية القرآنية  .

مكانة المرأة في الرؤية الإسلامية للكون إنّ القرآن ليس مجموعة قوانين فحسب ، ومضامين القرآن ليست مجرّد سلسلة من الأحكام والقوانين الجافّة التي لا تقبل التفسير . فالقرآن فيه أحكام وتاريخ وموعظة وتفسير للخلقة إضافة إلى آلاف المواضيع الأخرى .فكما ان القرآن يصوغ في بعض الحالات تعاليمه على شكل قانون ، فهويقدّم في موضع آخر تفسيراً للوجود ،ويبيّن سرّ خلق السماء والارض والنبات والحيوان والانسان ،وسر الموت والحياة والعز والذل والرقي والانحطاط والغنى والفقر .
القرآن ليس كتاب فلسفة لكنه صرّح برأيه بشكل قاطع بشأن الكون والانسان والمجتمع وهي المواضيع الثلاثة الأساسية للفلسفة . القرآن لا يعلّم اتباعه القانون فحسب .

ولا يكتفي بالموعظة والنصيحة وانما يمنح اتباعه من خلال تفسيره للخلقة اسلوباً فكرياً وروية كونية خاصة، ويقدّم لاسس ومغازي أحكام الإسلام في الشؤون الاجتماعية كالملكية والحكومة والحقوق العائلية وغيرها ، ذات التفسير الذي يقدّمه للخلقة وللوجود .
من جملة المسائل التي بينها القرآن الكريم هو موضوع خلق المرأة والرجل ،فالقرآن لم يلزم الصمت ازاء هذا الموضوع ، ولم يفسح المجال أمام الثرثارين لاختلاق فلسفة من عند أنفسهم للإحكام المتعلقة بالرجل والمرأة ، والزعم بأنّ أساس تلك الأحكام هو نظرة الاحتقار التي ينظر بها الإسلام إلى المرأة ،فالإسلام قد بيّن مسبقاً نظرته إلى المرأة .
لو شئنا معرفة رأي القرآن بشأن خلقة المرأة والرجل ،يجب علينا الالتفات إلى طبيعة المرأة والرجل كما وردت في سائر الكتب الدينية . والقرآن ايضاً لم يصمت إزاء هذا الموضوع .
فلنر أنه هل يعتبر القرآن المرأة والرجل ذوي طبيعة واحدة أم طبيعتين ؟ أي هل ينظر إلى الرجل والمرأة وكأن لهما طينة وطبيعة واحدة، ام لهما طينتان وطبيعتان ؟
يصرح القرآن في آيات متعددة بأن المرأة مخلوقة من جنس الرجل ومن طينة مشابهة لطينته .
يقول القرآن بشأن خلق آدم : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(النساء ،1) ويقول عن جميع بني آدم : (وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَ جَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَ لِكَ لَأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )(الروم 21).

ولا يوجد في القرآن ذكر لما ورد في بعض الكتب الدينية من أن المرأة خلقت من مادّة ادنى من مادّة الرجل ووصفتها بانّها كائن مغفّل او أنها طفيلية على الرجل ، وقالت ان زوجة آدم خلقت اول الامر من احد اعضاء جانبه الا يسر . وعليه فلا نجد ثمة رأي في الإسلام يحتقر المرأة بسبب طبيعتها وطينتها .

ومن الآراء التي كانت تنظر إلى المرأة في الماضي نظرة ازدراء واحتقار وتركت آثاراً سلبية في أدبيات العالم هي أن المرأة عنصر الخطيئة ، وان المرأة شيطان مصغّر وعنها ينبئق الشر والإغواء ،بل قالوا ان كل معصية او جريمة يقترفها الرجل لابد وان يكون للمرأة فيها دور .
ويذهبون إلى القول بان الرجل بذاته منزّه من المعصية , وان المرأة هي التي توقع الرجل في المعصية , ويقولون ان الشيطان يجد سبيلاً له إلى كيان الرجل مباشرة وإنما يخدع الرجل عن طريق المرأة .
فالشيطان يوسوس للمرأة والمرأة تغوي الرجل ، ويقولون بأن آدم لما خدعه الشيطان وأخرج من جنة السعادة إنما خدعه عن طريق المرأة ، إذ ان الشيطان غرّ حواء وحواء غرّت آدم . لقد طرح القرآن قصة جنة آدم ، ولكنه لم يذكر بأن الشيطان او الحية هما اللذان خدعا حواء وحواء هي التي خدعت آدم . القرآن لم يعتبر حواء هي المسؤولة عن ذلك ، ولم يخرجها من الحساب أيضاً . بل يقول القرآن : قلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً (البقرة 35).
ثمّ إن القرآن حينما يشير إلى وسوسة الشيطان يأتي بضمير المثنّى، حيث يقول: فوسوس لهما الشيطان ( الأعراف 20)
فدلا هما بغرور ( الأعراف 22) وقاسمهما إنّي لكما لمن الناصحين (الأعراف 21)
وهكذا فقد هبّ القرآن ليقاوم بضراوة فكرة كانت شائعة في ذلك العصر، وكانت لا تزال لها حينذاك بقايا في شتى ارجاء العالم ،مبرّئاً جنس المرأة من تهمة كونها عنصر الوسوسة والجريمة ، ومن وصفها بالشيطان الصغير .
ومن الآراء الأخرى التي كانت شائعة هي تلك المقولات التي كانت تستهن بالمرأة وتنتقص من كفاءتها الروحية والمعنوية ،فكانوا يقولون بانّ المرأة لا تدخل الجنة ،ولا يمكنها أن تسمو في المراتب المعنوية والإلهية وليست لديها القدرة على بلوغ مقامات الإلهي التي يبلغها الرجال ،في حين نجد القرآن الكريم يصرّح في آيات كثيرة بأن ثواب الآخرة والقرب من ا لله لا علاقة له بجنس الإنسان ،وإنما يتوقف على الإيمان والعمل سواء كان من المرأة ام من الرجل : من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيبةً ( النحل97)
وإلى جانب كل رجل جليل أو قدّيس يذكر القرآن امرأة كبيرة او قدّيسة وأثنى غاية الثناء على زوجتي آدم (البقرة ، 35) وإبراهيم (هود، 71) ووالدتي موسى (القصص ، 10-13). وعيسى (آل عمران ، 36).
وإذا كان قد أشار إلى زوجتي نوح ولوط (التحريم، 10)كامرأتين غير صالحتين لزوجيهما ،فهو لم يغفل ذكر زوجة فرعون كامرأة جليلة ابتليت برجل خبيث (التحريم ،11). وكأن القرآن آراد المحافظة على التوازن في قصصه ولا يحصر بطولة قصصه في الرجال فحسب .
يقول القرآن بشأن أم موسى : وأوحينا إلى أمّ موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ ولا تخافي ولا تحزني إناّ رادوه إليك وجاعلوه من ا لمرسلين (القصص 7)
يقول القرآن الكريم عن مريم أمّ عيسي، أنها بلغت منزلة أخذت فيها الملائكة تكلمها في محراب العبادة ،وتأتيها برزقها من عالم الغيب وأصبحت ذات درجة عالية من المراتب المعنوية بحيث جعلت نبي زمانها في حيرة وتجاوزته في درجتها وبقي زكريا مدهوشاً من أمرها .(آل عمران 37)
وفي تاريخ الإسلام نفسه هناك ، نساء قدّيسات وجليلات كثيرات ،فقلّما رجلاً يبلغ منزلة خديجة وليس ثمّة رجل يبلغ مكانة الزهراء عليه السلام إلاّ الرسول وعليّ عليه السلام ولها أفضلية على أبنائها وهم أئمة وعلى سائر الأنبياء باستثناء خاتم الأنبياء .
الإسلام لا يعترف بوجود أي تفاوت بين المرأة والرجل في السير التكاملي نحو الله عزّ وجل ،وإنما يقرّ بوجود التفاوت في سيرة الإنسان نحو الحق ، اي عند هداية الناس الى الحق وتحمل مسؤولية النبوّة ، لأن الرجل أكثر قدرة على أداء هذه المهمة .
ومن الآراء الأخرى التي كانت موجودة وكان فيها استخفاف بالمرأة، هي تلك المتعلقة بالرياضة الجنسية وتقديس التجّرد والعزوبية.
فكلما نعلم بأن العلاقة الجنسية بحدّ ذاتها تعتبر في بعض الأديان دنساً ، إذ يعتقد أتباع تلك الديانات بأن المراتب المعنوية لا يبلغها إلا الذين قضوا عمارهم في العزوبية ،يقول احد الزعماء الدينيين الكبار في العصر الحديث : اقتلعوا شجرة الزواج بفأس البكارة .
وجميع أولئك الزعماء يبيحون الزواج لمجرد دفع الافسد بالفاسد ، أي أنهم يدّعون بما ان معظم الأفراد غير قادرين على الصبر على العزوبية ويفقدون زمام إرادتهم ويقعون في الفحشاء ويقدمون على ممارسة الفحشاء مع نساء متعددات ، فمن الأفضل إذن ان يتزوجوا كي لا تكون لهم علاقات جنسية مع أكثر من امرأة واحدة . وان جذور فكرة النزعة الرياضية ومناصرة العزوبية منبثقة من سوء الظن بجنس المرأة , وذلك لأنهم يعتبرون حب المرأة من ا لمفاسد الأخلاقية الكبرى .
لقد كافح الإسلام هذه الخرافة بشدّة واعتبر الزواج شيئاً مقدساً والعزوبية انحطاطاً واعتبر حب المرأة من أخلاق الأنبياء، قائلاً: من أخلاق الأنبياء حب النساء.(الكافي، ج5، ص320) وقال رسول الله excaim: حبّب إلي من دنياكم ثلاث، الطيب والنساء وقرّة عيني الصلاة ( الخصال، ص165، ج217).

يقول برتراند راسل : يوجد في جميع الأديان نوع من النظرة السية للعلاقة الجنسة إلا في الإسلام ، فقد وضع الإسلام حدوداً وأحكاماً لهذه العلاقة من حيث مساسها بالمصالح الاجتماعية ،إلاّ لم يعتبرها قذارة قط.
ومن النظريات الأخرى التي كانت تنظر للمرأة باستخفاف: ما كان يقال: من أن المرأة تعتبر مجرد آلة مسخرة بيد الرجل، وإنما خلقت من اجله .بينما لم يطرح الإسلام هذا الرأي على الإطلاق ، بل بيّن اصل العلة الغائية صراحة ،قائلاً بأن السموات والأرض ،والهواء والريح ،والنبات والحيوان ، خلقت كلها من اجل الإنسان ، بيد أنه لم يعلن قط بان المرأة خلقت من اجل الرجل ، وإنما يقول إن الرجل والمرأة خلق كل واحد منها من اجل الآخر : هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ (البقرة 187 )

ولو كان القرآن يعتبر المرأة آلة مسخرة للرجل وخلقت من أجله لأخذ التوجه بالحسبان في أحكامه ولكن بما أن الإسلام لا يحمل هذه النظرة في تفسير للخلقة ، ولا يعتبر المرأة كائناً متطفلاً على الرجل ، فهو لم يذكر هذا المعنى في أحكامه الخاصة بشأن المرأة والرجل .
ومن الآراء الأخرى التي كانت موجودة في الماضي وكانت تنتقص من المرأة هو ان المرأة كانت تمثل في رأي الرجل شراً لابد منه ،فبالرغم من كل الفوائد التي كان يحصل عليها الرجال من النساء فأنّ الكثيرين منهم كانوا يحتقرونهنّ ويعتبرونهنّ سبباً لمآسيهم وشقائهم ،في حين اكّد القرآن الكريم على هذا المطلب خاصة وهو ان وجود المرأة خير للرجل وسبب لسكينته : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة (الروم ، 21) .

ومن الآراء الأخرى التي تحطّ من أهمية المرأة هو أنهم كانوا ينتقصون من دورها في تكوين الأولاد فالعرب في الجاهلية ، وبعض الأمم الأخرى كانوا يعتبرون الأم بمثابة وعاء فقط يقوم بحضانة وتنمية نطفة الرجل التي تعتبر هي البذرة الأساسية للوليد ، بينما نرى القرآن الكريم يقول في آيات متعددة : يا ايها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى (الحجرات ,13).
بل إن بعض الآيات الاخرى التي ورد توضيحها في التفاسير وضعت حداّ لهذا النمط من التفكير ، يتضح ممّا قيل إن الإسلام لا ينظر من حيث الفكر الفلسفي ومن حيث تفسيره للخلقة ، نظرة احتقار للمرأة ، بل وإنه رفض تلك النظريات .

المصدر :
حقوق المرأة في النظام الإسلامي للشهيد مرتضى المطهري
اقتباس من صفحات ( 125 -136 )
 
منشورات مؤسسه الأعلى للمطبوعات -بيروت –لبنان





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد


ارسل لصديق