إنسان في المجتمع .. وأنثى لزوجها
كتبه: آية الله الشيخ شمس الدين
حرر في:
التعليقات: 0
القراءات: 1459
المرأة موضوع قابل للاستهلاك بحكم تكوينها الجمالي، وبحكم وظيفتها أو جاذبيتها الجنسية، وكانت دائما تواجه هذا الخطر، خطر أن تتحول إلى موضوع استهلاكي للرجل. وليس هذا أمرا جيدا.

المرأة موضوع قابل للاستهلاك بحكم تكوينها الجمالي، وبحكم وظيفتها أو جاذبيتها الجنسية، وكانت دائما تواجه هذا الخطر، خطر أن تتحول إلى موضوع استهلاكي للرجل. وليس هذا أمرا جيدا.

وقد حصنت الشرائع السماوية المرأة، وخاصة الإسلام، وهو الصيغة الكاملة لتحصين المرأة، من الوقوع في هذا الفخ، وفي هذا المنزلق، حصنتها بجملة من التشريعات الإلزامية أو الاستحبابية أو الأخلاقية ..  وكذلك الأخلاقيات العامة للبشر أيضا حصنتها.

ومن هنا كانت المرأة دائما موضوعا له حرمته وله قداسته في بعض الأوساط المتخلفة في الجاهلية القديمة.

ولشدة الحرص عليها تحولت إلى حالة شبيهة بالعبودية والرقية. ومنبعها هو الخوف من أن تتحول إلى سلعة فتكون عارا على أهلها أو على قومها. الذي حدث في العصور الأخيرة وبتأثير الثقافة- بالمعنى العام- المسماة غربية. هو أن عوامل التحصين تساقطت. الأسوار والضمانات التشريعية والأخلاقية التي كانت تصون المرأة وتحميها من أن تبتذل. هذه الضمانات تساقطت بفعل:

1- انحسار الالتزام الديني في الغرب وتصاعد تيار العلمانيين تحت شعار الإنسانيات، وتحت شعار أن المرأة إنسان ولها حقوق.

2- ثم جاءت الداروينية الاجتماعية.

3- ثم جاءت الفرويدية، مدرسة التحليل النفسي التي وضعت المسألة الجنسية عند البشر على مائدة التشريح بدون أي مرتكز علمي حقيقي، وإنما انسياقا وراء خيالات، وراء أفكار غالبا لها طابع الخيال والتجريد والافتراض.

نذكر هنا عادة، الثورة الصناعية التي أدت في إنكلترا أولا ثم في سائر أوروبا، إلى نزوح كبير من الريف للأيدي العاملة وبقاء النساء في الريف بدون أزواج ومجيء الرجال إلى المدن، والحاجة الجنسية التي يحملونها، ثم تطور العمالة في المعامل والمصانع إلى حد استخدام المرأة في العمل، وتشتت الأسر نتيجة لذلك، وانفصال الزوج عن زوجته، والفتاة عن أهلها أسابيع متعددة أو نهارات طويلة، مع ما لزم ذلك من اختلاط غير متحفظ، هذا التطور الاجتماعي جاء في نطاق التطور الثقافي الناتج عن انحسار التأثير الديني والوازع الديني في الغرب، والتطور المسمى علمي، وهو شيوع الفكر الدارويني والفرويدي، تحول بالمرأة شيئا فشيئا نتيجة لهذه العوامل الاجتماعية والثقافية وأخيرا الاقتصادية، حينما واجهت المرأة واقعا اقتصاديا قاسيا نتيجة للتقنيات الحديثة بعد الثورة الصناعية، وواجهت مسؤولية نفسها، مسؤولية إعالة نفسها.

هذه العوامل مجتمعة جردت المرأة من ضماناتها ومن حصانتها، وحولتها في المجتمع من إنسان، كما أراد لها الدين لا فرق في ذلك بين يهودية ومسيحية وإسلام، (غاية الأمر قلنا أن الصيغة المكتملة للتشريع هي الإسلام) إلى إمرأة فقدت حصانتها وحمايتها، نتيجة لانحسار الوازع الديني، ومن ثم فقد بقيت مخلوقا جذابا بدون ضمانات وبدون حماية، وبدون أطر تشريعية وأخلاقية. وجاءت التطورات التي تتعلق بالسوق، ترويج البضاعة بالسوق، وتطورت المسألة أو القضية مع المشروع الإعلاني تطورا كبيرا، نتيجة لتطور التجارة الداخلية والخارجية، واستخدمت المرأة في الإعلان عن السلعة وكلما كان عنصر الإعلان أكثر جاذبية- بطبيعة الحال- يكون أكثر تأثيرا. ومن هنا فقد تحولت المرأة في الإعلان إلى مجرد جسد مثير، واستخدمت كل الرمزيات التي تركز على الجانب الجمالي الحسي، وهو تكوين جسد المرأة، والجانب الغريزي الجنسي، وهو الجانب الأنثوي من المرأة، وأهمل الجانب الإنساني تماما.

فيما يبدو لي أن هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تكوين هذه الظاهرة الخطرة وهي خطرة فعلا، لأنها تهدر وتستبيح إنسانية المرأة، وتهدد صنف المرأة العفيفة والملتزمة من جهة أخرى، وتهدد عفة الرجل وسلامة الأسرة، لأن بنية المجتمع هي عبارة عن عدة مكونات متكاملة فإذا تصدع مكون منها يؤثر على البنية برمتها، ومن هنا فإنني- بالمناسبة- ألفت نظر كل مسؤولي الأسر آباء وأبناء واعين، نلفت نظرهم أن يراقبوا بدقة جهاز التلفزيون أو الجريدة أو المجلة.. فيما يتعلق بالصور أو الإعلانات لأنها تشكل خطورة كبيرة على التكوين النفسي والذهني ومن ثم الأخلاقي للأطفال.. وتنشئتهم سواء كانوا ذكورا أو إناثا مستهدفين لفقد الحصانة الأخلاقية فيما يتعلق بإنسانية المرأة أو أنوثة المرأة.

أما ظاهرة عروض الأزياء وحفلات الرقص وانتخابات ملكات الجمال فهذه الظاهرة هي إحدى التعبيرات التجارية الثقافية عما كنا نتحدث عنه حيث أن المرأة تحولت إلى مجرد أنثى،ولازم تطور وضع المرأة هذا تطور وضع الزي، والزي- بالمناسبة- له ثلاث وظائف سواء كان زي الرجل أو زي المرأة.

- الوظيفة الأولى: وظيفة الوقاية من الحر والبرد والوقاية من الجو.
- الوظيفة الثانية: التستر، ستر الجسم.
- الوظيفة الثالثة: هي الوظيفة الجمالية، أن يظهر الإنسان بمظهر لائق وأنيق في المجتمع. المرأة بحكم كونها، بحسب تكوينها، بحسب خلقة الله لها، هي موضوع للجاذبية بطبيعة الحال زيها يمتاز عن زي الرجل، بنوعية خاصة، وهي التركيز على العنصر الجمالي بالإضافة إلى عنصر الستر وعنصر الوقاية من تقلبات الجو.

هذا العنصر الجمالي في الثياب أريد به أن تضيف الثياب جمالا أو أناقة أو جاذبية إلى المرأة وكان عنصر الجاذبية الوحيد المسموح هو الوجه والكفان، شيء من العنق بحسب ما نلاحظه بالأزياء في العصور القديمة، في حين أن الثياب كانت سابغة للجسم كله، والوظيفة الجمالية للثياب كانت بحيث تضيف إلى جسم المرأة جمالا وأناقة.

التطور الحديث الذي حول المرأة إلى أنثى، أنثى مشاعة للجمهور لم يقتصر على العنصر الجمالي في الثياب، كما نشاهد في عروض الأزياء، حيث يستخدم جسد المرأة لترويج الثياب، لا تستخدم الثياب لتجميل المرأة، ولذلك انتشرت الأزياء القصيرة الضيقة ، التي تبرز النتوءات في جسم المرأة وما إلى ذلك..

بحيث أن كثيرا من الأزياء التي نلاحظها، العنصر المثير ليس في الزي، وإنما في المساحات والكيفية المكشوفة في جسد المرأة.
هذه الحوافز على الخلفية التي بيناها في التطور والتغيرات الثقافية والنفسية، والاقتصادية في طريقة بناء الاقتصاد الحديث فيما يتعلق بالمصانع والمعامل والهجرة والاختلاط أو ما يسمى استغلال المرأة الاقتصادي أوجب نشوء هذه الظاهرة، وعروض الأزياء، ليست إلا عروضا تجارية، لترويج هذه السلعة التي هي زي المرأة، في حين أن ما يسمى دور الأزياء، هي شركات تدير رؤوس أموال ضخمة بمئات الملايين من الدولارات أو بمليارات في عواصم الغرب..

أن تسلل هذا الوباء الخطر إلى عالمنا الإسلامي نتيجة لانحسار الالتزام الشرعي، الالتزام بالحكم الشرعي عند المسلم، نتيجة لارتباط السوق والبلاد الإسلامية بالسوق الغربية، نتيجة لاقتباس أنماط العمالة والتصنيع على غرار الغرب، أوجب أن تنتقل هذه الآفة الخطيرة إلى البلاد الإسلامية ومن ثم أن تسقط المرأة المسلمة شيئا فشيئا في هذا المنزلق.

وفي ذلك انتهاك لإنسانية المرأة بل ولإنسانية الإنسان؟ وتجاوز لوظيفة المرأة في المجتمع.

لقد أدى لفقدان المرأة وظيفتها في المجتمع نهائيا، المجتمع ذي النظرة الإسلامية وأعتقد أنها النظرة الإيمانية حتى في المسيحية واليهودية. النظرة الدينية عموما والإسلامية خصوصا هي أن المرأة إنسان كالرجل، وفي نص الوحي القرآني: مرأة أو نساء.. والمرأة إنسان في مجمل الفكر والتشريع الإسلاميين ، ويوجد للمرأة بعدان:

- بعد إنساني يتعلق بحضورها العام في المجتمع.

- وبعد أنثوي يتعلق بوظيفتها الفيزيولوجية. بعدها الإنساني في المجتمع، النظرة الإسلامية فكرا وتشريعا تقوم على : المرأة إنسان في المجتمع، وفي الأسرة، وأنثى لزوجها، والرجل إنسان في المجتمع والأسرة أيضا، وذكر لزوجته.

الجانب الإنساني الذي هو مرتكز المجتمع وهو موضوع التشريع الذي ساوى بين المرأة والرجل هذا عام، الرجل في المجتمع إنسان والمرأة في المجتمع إنسان. الرجل ليس ذكرا في المجتمع الذي فيه نساء والمرأة ليست أنثى في المجتمع الذي فيه ذكور.

بعبارة أخرى: الجانب الجنسي في الرجل والمرأة شديد الخصوصية ومحصور فقط في الحقل الضيق الذي يمارس فيه وفقا للشرع.
الذكورية في الرجل التي تبرز الخصوصية الجنسية فيه، هذه الذكورية هي حيث يمكن أن يمارس الجنس وهو مع الزوجة وليس مع المرأة. والأنثوية في المرأة هي خاصة في المجال الذي تستطيع أن تمارس به الجنس، وهي مع الزوج وليس مع الرجل.

هذا الوضع الجديد- المؤسف- حول الرجل إلى ذكر عام لكل النساء، بحيث أن النساء ينظرن إلى الرجل في المجتمع على أنه مخلوق جنسي، وموضوع جنسي، ويرتبط بهذا الكثير، الأمر الذي لاحظناه، في الجانب الإعلاني نلاحظه بالرجل، لاحظوا في الإعلانات حيث يبرز الرجل الرياضي نموذج لكمال الأجسام، ويعرض شبه عار بالسروال القصير أو بالقميص المفتوح، وتعرض عضلاته وفحولته وذكوريتها وتقرن بسلع كثيرة بسيارات وغيرها.

المرأة تعرض خطابا للرجل، والرجل يعرض خطابا للمرأة، المرأة تعرض كحيوان جنسي يخاطب بها الرجل وتروج السلعة من هذا الطريق عند الرجل، والمرأة تخاطب بالذكر. هذا النمط الثقافي الحضاري السائد الذي يغزو العالم ومنه عالمنا الإسلامي، حول الرجل إلى ذكر، إلى حيوان جنسي في المجتمع، بينما في الإسلام هو ليس ذكرا وليس حيوانا جنسيا، هو إنسان.

التركيز على الجانب الجنسي، حول المرأة إلى أنثى وإلى حيوان جنسي أيضا في المجتمع. المرأة صارت موضوعا جنسيا عند كل ذكر يمشي في الشارع ويراها. يراها تعرض في الزي الحديث وبأساليب الزينة الحديثة. وهنا تلحظ خصوصية تطور وسائل الزينة من العطور وما يسمى "أكسيسوار" من الحلى والعطور والأصباغ، زينة الوجه والشعر، حولوا المرأة إلى حيوان جنسي إلى أنثى لكل رجل.





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد

آية الله الشيخ شمس الدين


ارسل لصديق