الثابت والمتغير في الفكر الديني1
كتبه: سماحة السيد كامل الهاشمي
حرر في: 1999/11/29
التعليقات: 0
القراءات: 3772
إن الثبات المطلق أو المقيد على أصول الدين أو فروعه يفقد الدين والفكر الديني قدرة الفعالية والتأثير في الأوضاع المتغيرة والمتحركة التي يعيشها الإنسان المعاصر

تمهيد:


البحث في إشكالية الثابت والمتغير بحث مهم وخطير في الوقت نفسه، ذلك أن أية نتيجة يتوصل إليها الباحث سيكون لها انعكاساتها الكلية علي مجمل تصوراته الدينية ومفاهيمه العقيدية ومواقفه التشريعية.

ومن ناحية أخرى فإنها إشكالية الثابت والمتغير ترتبط أشد الارتباط بإشكالية تجديد الفكر الديني، بل تعد بعداً رئيسياً من أبعادها، لأن أية خطوة يراد إنجازها في مهمة التجديد لابد أن يسبقها موقف محدد من مسألة الثابت والمتغير. ومن الواضح أن فكرة التجديد لا يمكن قبولها إلا في ظل التسليم بإمكانية التغيير ولو بأدنى مستوياته.

ورغم ما كتب عن إشكالية الثابت والمتغير في «الدين» أو في «التفكير الديني» فإنه يبقي البحث محتاجاً إلي مزيد من النظر والتدقيق، لأن المحصلة النهائية للبحث لا يمكن أن تبقي مبهمة وغير مضبوطة، في الوقت الذي يتحرك الكثيرون لحذف الكثير من الثوابت الدينية علي أساس قابلية الدين أو الفكر الديني للتغيير، وأن الثبات المطلق أو المقيد على أصول الدين أو فروعه يفقد الدين والفكر الديني قدرة الفعالية والتأثير في الأوضاع المتغيرة والمتحركة التي يعيشها الإنسان المعاصر. وفي الجهة المقابلة هناك من يصّر علي أن لا متغير في الدين، وأن حلال الدين حلال إلي يوم القيامة وأن حرامه حرام إلي يوم القيامة أيضاً، وربما يعمم بعض أصحاب هذا الرأي هذا الحكم علي كل معارف الإسلام وعلوم الدين، من دون الالتفات إلي ضرورة التمييز بين الدين والفكر الديني.

ومهما يكن من أمر فقد حاولنا في هذا البحث أن نقدم بعض الأفكار المتواضعة في هذا المجال، إسهاماً في حل بعض أبعاد وجوانب هذا المشكلة القائمة.

وأما الأفكار التي نرغب في بيانها في هذا البحث فهي كالتالي:

الفكرة الأولي: منطلقا الاشكالية

الذي نراه أن إشكاليه الثابت والمتغير تنطلق من جهتين رئيسيتين:

الأولي: تتعلق بفهم الإسلام، فهي ناحية «مفهومية»، والمبدأ فيها هو القول بأن الإسلام الذي يراد له أن يكون خالداً فاعلاً مؤثراً في حياة الإنسان في كل الأزمنة والعصور، لا يمكن لعطائه الفكري وثرائه المعرفي أن يتوقف عند حد معين وأفق محدد، لأن البشرية تعيش علي الدوام تجدداً في أفكارها واتساعاً في مداركها، وليس من المعقول لدين يبتغي الخلود والاستمرار، فاعلاً مؤثراً في حياة الإنسان، أن يعجز في وقت من الأوقات عن تقديم ما يسهم في فتح آفاق مستجدة من التفكير والوعي لمعتنقيه ومتبعيه.

الثانية: تتعلق بفاعلية الإسلام ودوره في الحياة فهي ناحية «عملية»، والمبدأ فيها هو القول بأن فاعلية الدين الإسلامي والفكر الديني علي البقاء والاستمرار والتأثير في الممارسات العملية للناس، مرهونة بقدرتهما علي الاستجابة لتغيرات الظروف الإنسانية التي تتسم بدوام التطور والتبدل والتجدد، الأمر الذي يستدعي إجابات وحلول متطورة ومتغيرة لمشاكل ومستجدات كل عصر من العصور، وليس من المقبول أبداً أن تتغير الظروف والأحوال البشرية في الوقت الذي تتوقف أجوبة الإسلام وحلول الفكر الديني عند إثارات الماضي ومشاكل السابقين.

والذي نستطيع قوله في الإجابة علي هاتين الإثارتين هو التالي:

الإثارة الأولي: أعني «الناحية المفهومية»: إن ما يمكن قوله هو أن هذه الإثارة، وإن غفل أو تغافل علماء ومفكروا الإسلام عن بيانها واستثارتها، إلا أن الكثير من تعابير النصوص الإسلامية تدلنا علي اهتمام بالغ بضرورة استجابة الدين لتطورات الوعي البشري، وقدرة الدين الإسلامي بشكل خاص علي القيام بهذا الأمر.

وما تطرحه النصوص الإسلامية في هذا الشأن هو أنّ دلالات النص لا تتوقف عند مستوي واحد من الفهم، بل هي تتعدد وتتنوع بتعدد وتنوع الأزمان والأشخاص ومستويات الفهم والإدراك. وأنّ النص له قابلية الانفتاح علي قراءات مختلفة، تتجدد وتتسع بتجدد أفكار البشر واتساع مداركهم المعرفية. ويمكننا القول إنّ النصوص الإسلامية جعلت انفتاح النص علي الأفهام المختلفة وقابليته للقراءات المتنوعة ميزة أساسية وحيوية من ميزات النص الديني.

الإثارة الثانية: أعني «الناحية العملية»: فإن بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً يمثل أفضل حل لمعالجة مشاكل الحياة المتجددة، ومن المعلوم أنّ الإسلام حينما سمح، بل أوجب علي بعض المسلمين الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية، فإنما استهدف بذلك تواصل المسلمين مع مشاكل العصر المستجدة عبر ما يقوم به الفقيه والمجتهد من تعرّف ودراسة لهذه المشاكل المستحدثة ومن ثمّ استنباط الرأي فيها علي ضوء القواعد الشرعية المقررة.

ومن الواضح أن الفقيه حينما يقوم بمهمة الاستنباط لا يمكن أن يتغافل عن حيثيات الزمان والمكان والتغييرات التي تطرأ علي مجمل الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها.

وعلي هذا الأساس يمكن للفقيه أن يختلف مع غيره من الفقهاء السابقين في حكم مسألة من المسائل الشرعية، وربما أثر تغير الأوضاع وتبدل الظروف في الأسس التي يراعيها الفقيه في عملية الاستنباط نفسها، إذ أننا نلاحظ أنّ طريقة ومنهجية الاستنباط نفسها كانت تتطور وتنمو بحكم تأثر الفقيه بما يحيط به من الظروف وما يعاصره من قضايا متنوعة.

نعم.. يبقي من اللازم أن نشير في هذا المجال إلي التقصيرات التي ربّما تنشأ، وقد نشأت، في بعض الممارسات الفقهية حينما يبتعد البعض من الفقهاء عن تفهم مشاكل العصر، فيعجزون عن تقديم حلول لها، أو يقدمون الحلول التي يعجز الواقع عن قبولها، وبذلك يبقي المكلف تتجاذبه من جهة رغبة في إطاعة الحكم الشرعي، ومن جهة أخري ضغوطات الواقع التي تمنعه من تحقيق رغبته في امتثال الحكم الشرعي.

وعلي هذا الأساس نستشعر ضرورة أن يفكر المهتمون بالشأن الفقهي الإسلامي في مسألة تطبيق الإسلام وفاعليته في الحياة بالمستوي الذي يفكرون فيه في الإجابة علي أية قضية مستحدثة أو مشكلة مستجدة. لأن الله تعالي لم يرد للإسلام أن يبقي أفكاراً ونظريات في بطون الكتب والأسفار من دون أن يتجسد في الواقع ويشق طريقه إلي حياة الناس وممارساتهم اليومية.

الفكرة الثانية: الثابت والمتغير في الدين والفكر الديني

يبدو من المهم جداً، في الحديث عن الثابت والمتغير، التفريق بين مجالين مختلفين أشد الاختلاف، في الوقت الذي يرتبطان أشد الترابط، وهذان المجالان هما: الدين أولاً، والفكر الديني ثانياً. ونحن إذ نقول باختلاف المجالين لأننا نعي أن الدين يختلف في كثير من سماته عن الفكر الديني، إذ الدين هو تنزيل سماوي من قبل الله سبحانه وتعالي علي رسول من رسله أو نبي من أنبياءه، فهو علي هذا الأساس يتمتع بقدسية وصيانة يتوفر عليهما بحكم كون المنزل للدين هو الله تعالي الذي ينزهه العقل السليم عن كل موجبات التقصير والقصور، وتُبرِّئ الفطرة المستقيمة ساحته عن كل مقتضيات الغفلة والسهو والنسيان والخطأ. وكون الذي اُنزل عليه الدين هو الرسول أو النبي الذي ضمن الله عزّ وجلّ عصمته وأمانته علي تبليغ أحكام الدين ومعارفه إلي الخلق.

وبالإضافة إلي حكم العقل الذي يدلنا علي ضرورة تنزيه الله سبحانه عن كل نقص، وضرورة تنزيه الأنبياء والمرسلين(عليهم السلام) عن كل تقصير وقصور في تأدية وإبلاغ رسالاتهم الإلهية إلي الخلق، فإن القرآن المجيد يحفل بما يؤيد هذه الحقائق.

كقوله تعالي: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاه وَبِالْحَقِّ نَزَل)(1).

وقوله سبحانه: (وَإِنَّه لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِه الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)(2).

وقوله عزّ شأنه في حق المرسلين(عليهم السلام) بشكل عام: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يؤْتِيه اللَّه الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّه وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)(3).

وهذه البيانات التي يقدمها الدين عن نفسه تدلنا علي أن ثمة فرقاً واختلافاً بين الدين والفكر الديني، لأن الفكر الديني وإن اتخذ من الدين منطلقاً وأساساً في ما يريد تبنيه من أفكار ومفاهيم إلا أنه لا يعدو أن يكون قراءة بشرية للدين قابلة لأن تصيب حيناً وتخطئ أحياناً أخري، وأن تعي مضمون الدين مرة وتنحرف عنه مرة أخري. وهذا الأمر يجعل الفكر الديني لا يرقي إلي مستوي الدين ألاّ بمقدار ما يصيب من حقيقة الدين وواقعيته.

ولقد كنا بحاجة إلي التنبيه علي هذا الفرق بين الدين والفكر الديني لشدة الارتباط والتداخل بينهما مما يجعل مسألة التفريق بينهما في كثير من الأحيان مسألة معقدة لا يتيسر خلالها التميز بين ما هو من الدين وما هو فهم بشري للدين. وهذا ما يؤكده التحسس الشديد من قبل بعض المتدينين للحديث عن إشكالية الثابت والمتغير، علي أساس الاعتقاد بأنّ الكثير من الأفكار التي يجري الحديث عن قابليتها للتغيير أو التطوير هي أفكار من صميم الدين لا تقبل النقاش والمجادلة، ولا يتورع البعض عن وصم كل من أراد مناقشة تلك الأفكار بالخروج عن الدين ومحاولة إفساد عقائد المسلمين.

في الوقت الذي ينبغي أن يعي هؤلاء الأشخاص أن القول بوجود متغيرات في الدين أو في الشريعة لا يعني بحال من الأحوال أن لا ثابت في الدين أو الشريعة، لأن الدين إذا ما فسرناه بمجموع التعاليم والأحكام والعقائد والحقائق الوجودية التي يأتي بها النبيعليه السلام من قبل الله سبحانه وتعالي مباشرة بواسطة الوحي الإلهي، أو عن طريق أحاديث النبي أو الرسول الخاصة والتي لا تكون وحياً سماوياً، ولكنها تكتسب مصونية وقدسية بحكم ارتباط النبي أو الرسول بالله تعالي ارتباطاً يمنعه من التحدث بغير ما يرتضيه الله سبحانه، ومن هنا يكون كلام المرسل من قبل الله تعالي كله حجّة لأنه يتحدث عن الله جلّ وجلاله وينقل مراده إلي خلقه، وهو ما نعيه من قوله تعالي في شأن نبيه الكريم محمد(صلى الله عليه وآله): (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا ينْطِقُ عَنِ الْهوَى * إِنْ هوَ إِلاّ وَحْي يوحَى)(4).

نقول إذا فسرنا الدين بهذا التفسير الواسع فإننا نلاحظ أن الدين يحتوي حينئذ علي أحكام شرعية قابلة في بعض مجالاتها للتغير علي أساس تغير الظروف وتبدل الموضوعات الخارجية، كما سيأتي توضيحه في الفكرة الثالثة بإذنه تعالي.

وبهذا التفسير للدين يحتوي الدين مبتنيات عقيدية ورؤي فلسفية، وهذه الجنبة من الدين وإن كانت لا تقبل التغير بلحاظ ما تكشف عنه من واقع وجودي لا يقبل التبدل والتغير، إلا أنها قابلة للتغير علي ضوء اتساع آفاق الفكر البشري وتجدد فهمه للدين واكتشافه أبعاداً في الدين لم يكتشفها السابقون ولم يتعرفوا عليها. وهذا ما سنتحدث عنه بشكل مفصل في الفكرة الثالثة أيضاً.

ومن هنا ندرك أن القول بوجود مجالات قابلة للتغيير في الدين ـ علي ضوء التفسير المتقدم للدين- لا يعني أننا لا نمتلك ثوابت دينية غير قابلة للتغيير والتحويل، إذ الدين قد جاء لإصلاح الوضع الإنساني في جوانبه المتغيرة والثابتة، فلابد أن يحمل جنبة ثبات وجنبة تغير.

وبطبيعة الحال حينما نقول بتغير الفهم الديني فهذا لا يعني أن لا ثوابت في الفهم الديني، إذ كما أن الدين يحتوي حقائق غير قابلة للتغير والتبدل، فكذا الفهم الديني فيه كثير من الحقائق التي لا يمكن اعتبارها حقائق زمانية قابلة لأن تلغي أو تبدل. ولا يستطيع أحد أن يزعم أن لا حقائق ثابتة في فهمنا الديني، وذلك لأننا نجزم أن لبني الإنسان عقولاً تدرك بها العديد من الحقائق والمعارف، وجملة غير يسيرة من هذه الحقائق والمعارف تتطابق فيها الحقيقة الدينية مع الفهم البشري.

الفكرة الثالثة: مجالات الثبات والتغير في الدين

من أجل أن يكون الحديث في الثابت والمتغير حديثاً محدد الأبعاد واضح المعالم كنا بحاجة إلي الحديث عن مجالات الثبات والتغير بشكل مفصل، وإلاّ يبقي الحديث في العديد من جوانبه يكتنفه الغموض والإبهام، في الوقت الذي يكون عرضة لسوء الفهم من قبل البعض.
والذي نود قوله في هذا المقام أن الدين - بما ذكرنا له من تفسير متقدم - يمكن اعتباره منظومة فكرية شاملة وواسعة، لا يمكن اختزالها في بعد واحد أو جنبة معينة من أبعاد وجوانب الحياة والمعرفة. وسنتكلم عن كل الأبعاد الرئيسية في الدين مع الإشارة إلي طبيعة الثبات أو التغير التي تحكم كل بعد من الأبعاد المذكورة، وما يمكن ذكره من أبعاد رئيسية في الدين هو:

أولاً: البعد العقيدي

الدين يشتمل أولاً علي رؤية كونية وجودية تستهدف تقديم صور جلية عن جملة من الحقائق الوجودية، وفي مقدمة تلك الحقائق التي يبينها الدين حقيقة الخالق والرب المطلق، وأنه واحد لا شريك له، وأن من صفاته العلم والحياة والقدرة .. إلي غير ذلك من الصفات الكمالية الوجودية التي لا يمكن أن تنفك ذات الباري سبحانه وتعالي عنها.

ومما يعني الدين ببيانه في هذا المجال جملة من المعارف المتعلقة ببدء عالم الخلقة وكيفية صنع الله عزّ وجل وإتقانه لعالم التكوين، وبدء خلقة الإنسان باعتباره أشرف مخلوق خلقه الله تعالي بيده، وسخر كل ما في الكون لأجله. ويهتم الدين في هذا المجال بتعريف الإنسان بكثير من الغيبيات التي يعجز العقل وإدراك البشر عن فهما والإحاطة بكنهها والإطلاع علي حقيقتها، من قبيل تعريفه علي تفاصيل المستقبل الأخروي للإنسان، وإطلاعه علي كنه الموجودات الأخري التي يعجز حسه المباشر عن إدراكها، كالملائكة والجن والشياطين.

وهذه المعارف وما شابهها هي ما يمكن أن تمثل «البعد العقيدي» في الدين، باعتبارها تكشف عن مجموعة من المعارف التي يلزم الإنسان المؤمن الاعتقاد والتصديق بها، وجملة من هذه المعارف يكون دور الدين فيها دور الهداية والإرشاد لأن العقل الفكر المودع في الإنسان يستقل بإدراكها.

وحينما نريد أن نبحث عن مجالات التغير والثبات في البعد العقيدي فإننا سنجد أن الحقيقة التي يكشف عنها الدين في المجال العقيدي تحكي عن واقع لا يقبل التغير في ذاته، فالوحدة والخالقية والرازقية والقدرة، وغير ذلك من الكمالات الوجودية التي يثبتها الدين للخالق عزّ وجل، غير قابلة لأن تنفي عنه في وقت من الأوقات، وكذا الأمر في بقية الحقائق الكونية التي أشار اليها الدين. نعم ما يقبل التغير هو مستوي فهمنا وإدراكنا - نحن البشر- لهذه الحقائق، فعلي سبيل المثال ربما كان بعض الأوائل يعي أن الله سبحانه واحد بالوحدة العديدة، ولكننا اليوم نري أنه تعالي واحد بالوحدة الحقة الحقيقية وليس واحداً عددياً، وهكذا الأمر في جملة الحقائق الدينية التي يتغير فهم البشر لكنهها ويتبدل وعيهم لحقيقتها علي ضوء ما يستجد لهم من وعي وما يتطور لهم من المعارف وما ينفتح لهم من آفاق.

وتطور الفهم الإنساني وتغير الوعي البشري بهذه الحقائق الدينية ربما نلمح الإشارات إليه في ما روي عن الإمام علي ابن الحسين السجادعليه السلام من أنه سئل عن التوحيد فقال: «إنَّ الله عزّ وجل علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون، فأنزل الله تعالي : قل هو الله أحد، والآيات من سورة الحديد إلي قوله: عليم بذات الصدور. فمن رام وراء ذلك فقد هلك»(5).

ثانياً: البعد التشريعي الثابت

جاء الدين يحمل الكثير من التشريعات والقوانين التي استهدفت تنظيم حياة الإنسان وعلاقاته في ما يرتبط بعلاقته مع ربه ومبدعه، وفي ما يرتبط بعلاقته مع الآخرين من بني جنسه، وفي ما يرتبط بعلاقته مع الطبيعة وما سخر الله له من النعم والمخلوقات. وهذه التشريعات تتأسس علي مبدأين رئيسين هما:

مبدء الولاية الإلهية: والذي علي أساسه يشرع الله سبحانه التشريعات لعباده باعتباره الولي الحقيقي لهم، ولا ولاية لأحد من الخلق علي غيره إلاّ بتبع ولايته عزّ وجل. وإلي هذا المبدأ اشارات العديد من آيات الذكر الحكيم، كقوله تعالي: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّه لَه مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه مِنْ وَلِي وَلا نَصِيرٍ)(6).

وقوله: (إِنَّ اللَّه لَه مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يحْيي وَيمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه مِنْ وَلِي وَلا نَصِيرٍ) (7).

مبدء الحكمة والغائية: والذي يعني في ما يعينه أن الله عزّ شأنه لم يخلق الخلق عبثاً وبلا غاية، وأن فعل ذلك في حقه مستحيل. وإلي تثبيت مبدء الغائية ونفي مبدء العبثية أشار تعالي بقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لا تُرْجَعُونَ)(8).

ومن المعلوم أن الحياة الإنسانية لا تستقيم من دون تشريع قانون يحدد للناس وظائفهم ويبين حقوق كل فرد منهم بحيث لا يلزم تصادم وتضارب في المصالح، والمبدأ المذكور يستدعي أن يشرع الله سبحانه وتعالي للناس مثل هذا القانون، وهو الأمر الذي تعهد الباري عزّ اسمه به عن طريق إرسال الرسل والأنبياء(عليهم السلام) بالرسالات السماوية التي اهتمت بتحقيق هذا الأمر.

وفي هذا المجال نجد أن كل رسالة من الرسالات السماوية جاءت بتشريعات معينة، وكانت تلك التشريعات تبقي سارية المفعول في حق أتباع الرسالة إلي أن تأتي شريعة إلهية أخري ناسخة لها، ولكن مع ذلك كله فقد بقيت الكثير من التشريعات المشتركة بين كل الشرائع الإلهية ولم تكن تتبدل أو تتغير، وبمقتضي الأصل الأولي فإن كل تشريع ثبت أن الله تعالي شرعه فهو حجة علي العباد لا يجوز لهم مخالفته وتغييره عما هو عليه.

وفي الدين الإسلامي توجد كثير من التشريعات ـ سواء المتعلق منها بالجانب العبادي أو غيره - تتمتع بصفة الثبات والاستقرار، ولم تكن هذه التشريعات مرتبطة في تشريعها بمصلحة آنية حتي يقال بإمكانية انتفاء ذلك التشريع بانتفاء تلك المصلحة، وربما كانت بعض التشريعات ليس وراءها من غاية غيرامتحان العباد في الطاعة والتسليم لله وأمره، فلا معني للبحث عن قابلية مثل هذه التشريعات للتغير علي أساس القول بوجود مصالح معينة قد استنفذتها تلك التشريعات. فالأصل الأولي يقتضي إذن الإلتزام بمضمون كل تشريع إلهي إلاّ أن يثبت نسخه، أو انتهاء أمده، أو تغير موضوعه أو طروء تخصيص أو تقييد له، وهذه أمور يقررها من نظر في أحكام الله تعالي واستكمل كل ما له مدخلية في معرفة الأحكام الشرعية.

ثالثاً: البعد التشريعي المتغير

ذكرنا فيما سبق أن للإنسان جنبتين: «جنبة ثبات» و «جنبة تغير»، ومن الطبيعي أن تراعي الشريعة الإلهية الجنبتين معاً، فتشرع من التشريعات ما يتوافق وثوابت الإنسان، وهو ما اصطلحنا عليه بـ «البعد التشريعي الثابت»، وتسليم كل فقهاء الإسلام بوجود أحكام أولية وأحكام ثانوية في التشريع الإسلامي يعد تسليماً بهذه الحقيقة وإذعاناً لها. ونحن نجد في بعض الممارسات التاريخية للأئمة(عليهم السلام) ولبعض فقهاء الإسلام ما يدلل علي قابلية بعض التشريعات للتغيير علي ضوء المصالح والمفاسد المتجددة. وعلي هذا الأساس لا نعتقد أن أصل المسألة يقبل التشكيك أو الرفض، وإنما الكلام في الجزئيات وكون التشريع الكذائي له قابلية الخضوع للتغيير أو التعطيل المؤقت أم أنه لا يقبل التغيير والتعطيل علي كل حال، ومهما حصل من اختلاف بين الفقهاء في هذه الأمور فهو اختلاف طبيعي تقتضيه طبيعة الوسائل المعرفية المتوفرة للفقيه، والتي علي أساسها يقرر رأيه الفقهي في أية مسألة حياتية تواجهه أو تواجه أحداً من المكلفين. ولا يلام الفقيه في أي حكم يتوصل إليه مادام قد استفرغ جهده وبذل سعيه في البحث عن الحق والأخذ بما قام عليه الدليل والبرهان.

وخلاصة ما يمكن قوله في هذه النقطة من البحث إن إثبات أو نفي قابلية حكم من الأحكام للتغير مرهون بما يستفيده الفقيه من أدلة إثبات الحكم المعني بالبحث، فهل أن الحكم وارد مورد التعبد المحض بحيث لا يمكن أن يطلع الفقيه علي ملاك تشريع الحكم؟

م أن الحكم في تشريعه وإثباته خضع لمراعاة مصلحية آنية معينة بحيث يطمئن الفقيه بأن الحكم يدور مدارها نفياً وثبوتاً؟

فإن كان الحكم من الصنف الأول فلا يمكن للفقيه أن يخضع هذا الحكم للتغيير إلا بعنوان ثانوي آخر يدعي الفقيه حكومته علي العنوان المثبت للحكم الشرعي المنظور، كعناوين نفي العسر والحرج والضرر.

وإن كان الحكم الشرعي من الصنف الثاني فإن الفقيه لا يمتنع عليه أن ينفي أو يغير الحكم الشرعي علي ضوء انتفاء المصلحة المثبتة له أو تبدلها إلي مفسدة لا يرضي الشارع بتحققها في الخارج. وفي واقع الأمر أن الفقيه لا يقوم بأي تغيير لحكم من أحكام الله تعالي، وإنما هو يشخص أن موضوع الحكم المعين قد تغير عما هو عليه، فمن الطبيعي أن يتغير الحكم لأن الحكم يتبع موضوعه نفياً وثبوتاً.

رابعاً: البعد الاجتماعي

الحديث عن الثابت والمتغير في البعد الاجتماعي من الدين حديث له أهميته الخاصة باعتبار أن البعد الاجتماعي يستوعب قسطاً كبيراً من تعاليم الدين، إذ إن جميع الممارسات السلوكية والآداب الأخلاقية ومظاهر التعامل الاجتماعي التي يتميز بها المجتمع المسلم وتمثل تشخصه الاجتماعي العام تندرج ضمن هذا البعد.

ولقد حرص الإسلام علي صبغ المجتمع المسلم بصبغة متميزه تعكس طبيعة القيم الدينية والإنسانية والخلقية التي يؤمن بها هذا المجتمع، وهذه الصبغة لم تمكن تستهدف إيجاد قطيعة وانفصال بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى ممن يعايشون المسلمين ويجاورونهم، وإنما استهدف الإسلام إظهار المجتمع المسلم بمظهر اجتماعي وخلقي وإنساني يجسد من خلال نوعية علاقاته الاجتماعية طبيعة القيم الخلقية التي أراد الدين الإسلامي أن يدعوا البشرية إليها، وبذلك يتحول المجتمع بوصفه كتلة اجتماعية متناسقة ومتوافقة إلى أمة واحدة تدعو الآخرين إلي قيم الإسلام والسماء بما تمثل من سلوكيات وممارسات علي أرض الواقع، ومن هنا تتعدد الدعوات الإلهية لأفراد المجتمع الإسلامي بوصفهم أمة واحدة تتحمل مسؤولية تجسيد قيم رسالة ربانية قيمة بضرورة امتثال وتحقيق تلك القيم في حياتهم الاجتماعية من أجل أن يمثلوا القدوة للآخرين علي مستوي الأمة كما يرغبون أن يمثلوها علي مستوياتهم الفردية والذاتية. وهناك العديد من الخطابات الإلهية التي وجّهت إلى المسلمين بوصفهم أمة واحدة بقوله تعالي: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يدْعُونَ إِلَى الْخَيرِ وَيأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَينْهوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ همُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهمُ الْبَينَاتُ وَأُولَئِكَ لَهمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(9).

وقوله سبحانه: (يا أَيها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّه شُهدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(10).

ولقد سعي الإسلام لإعطاء المجتمع الإسلامي تميزاً خاصاً علي أساس استشعار أفراده بأنهم أمة واحدة يتحد جميع أفرادها في المصير ويشتركون في تحمل المسؤولية الإلهية في الاستخلاف علي الأرض وإعمارها وإصلاحها وهداية البشرية إلي الصراط المستقيم فقال تعالي: (كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه)(11).

وقال عزّ شأنه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (12).

وقال جلّ جلاله: (إِنَّ هذِه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(13).

وقال سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّه جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه عَلَيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِه إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذَلِكَ يبَينُ اللَّه لَكُمْ آياتِه لَعَلَّكُمْ تَهتَدُونَ)(14).

وعلي هذه الأساس ندرك أن الأمة الإسلامية تتحمل مسؤولية عظيمة في تجسيد القيم والمثل الأخلاقية والإنسانية التي دعي إليها الإسلام علي أرض الواقع، ومن الضروري لهذه الأمة التي تريد النهوض بهذه المهمة الثقيلة أن تعي متطلبات الدور التاريخي الذي تريد الحركة والانطلاق في أجوائه، والذي يعطي للأمة هذا المستوي من الوعي هو معرفتها بخصائص المجتمع ونوعية القيم والأفكار التي تتحكم في صياغة مواقف أفراده وردود أفعالهم؛ والمرونة في التعامل مع المجتمع وتفهم الأساليب المناسبة لتغييره وتطويره، والانفتاح علي مشاكل كل عصر وظروفه الخاصة به هي الأمور التي تمنح من يرغب في تغيير مجتمعه إلي الأفضل القدرة علي إنجاز هذه المهمة.

ومراعاة تغييرات الأحوال والظروف الاجتماعية في الأداء الاجتماعي التغييري نلمح إشارات جزئية إليها في بعض النصوص الإسلامية، كما في موقف الإمام عليعليه السلام من إصرار بعض المسلمين علي خضب لحاهم باعتباره سنة كان يمارسها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، بينما رأي أمير المؤمنينعليه السلام أن مبررات الالتزام بهذه السنة والإصرار عليها بوصفها مظهراً اجتماعياً يميز المسلمين عن غيرهم قد انتفت، فقد سئلعليه السلام عن قول رسول الله(صلى الله عليه وآله): «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود». فقالعليه السلام: «إنما قال (صلى الله عليه وآله) ذلك والدين قٌلٌّ، فأما الآن وقد اتسع نطاقه، وضرب بجرانه، فامرؤٌ وما اختار»(15).

ففي هذا الإرشاد الاجتماعي نلاحظ استجابة مرنة لمقتضيات الزمان، فإذا كان ما يبرر في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله) الاهتمام بتغير الشيب وإخفائه وهو إظهار المسلمين بمظهر الشباب المقتدرين في مواجهة الأعداء المحيطين بهم مما يساهم في إضعاف حالة الاستقواء لدي العدو الحاصلة من موقع الشعور بقلة عدد المسلمين وندرة الشباب المجاهدين بينهم، فإن هذه الحالة قد انتفت وصار المسلمون هم الكثرة المسيطرة والفاعلة في المجالات الاجتماعية العامة، مما يدفع الحاجة للتظاهر بمظهر القوة والاقتدار أمام الأعداء بعد أن اتسع نطاق الإسلام وقويت شوكة المسلمين.

إن مثل هذا المثال ونظائره تهدينا إلي مجالات التغيير التي يمكن لنا الانفتاح عليها في تفعيل عملية التغيير الاجتماعي علي ضوء وعي وإدراك المقاصد الكلية للإسلام وشريعته السمحاء.

خلاصة البحث

يمكننا إيجاز البحث في إشكاليه الثابت والمتغير في النقاط التالية:

أولاً: إن البحث له أهميته الخاصة في ما يواجه الفكر الإسلامي المعاصر من إشكاليات مستجدة.

ثانياً: إن الإشكالية في البحث عن الثابت والمتغير تنطلق من جنبتين: مفهومية وعملية.

ثالثاً: إن الدين يهتم دائماً باستثارة القدرات الفكرية للإنسان من خلال الدعوة للتواصل مع كلماته والتأمل في خطاباته.

رابعاً: إن الدين يهتم علي الدوام بتجديد آفاق الحركة والفعالية للإنسان عن طريق الحث علي المعالجة الواعية للمشاكل الحياتية.

خامساً: ينبغي التفريق بين الفهم الديني وبين الحقيقة الدينية في البحث عن مجالات الثابت والمتغير في الدين.

سادساً: إن القول بوجود متغيرات في الدين لا يعني نفي أية ثوابت دينية لا تقبل التغيير.

سابعاً: إن الدين يحتوي عدة أبعاد، ولابد من التفصيل بين جوانبه المختلفة علي أساس ما يقبل منها التغيير وما لا يقبله.

ثامناً: إن الدين يحتوي علي بعد عقيدي له صفة الثبات من حيث كشفه عن واقع وجودي لا يتبدل، إلاّ من خلال ما يتجدد للناس من فهم لهذا الواقع.

تاسعاً: إن الدين يحتوي علي بعد تشريعي ثابت وبعد تشريعي متغير.

عاشراً: إن الدين يحتوي علي بعد اجتماعي له قابلية التغير علي ضوء تغير الظروف الاجتماعية واختلاف مقتضيات الزمان.

---------------------------------------------------------------

الهوامش:

(*) كاتب وباحث إسلامي من البحرين.
(1) الإسراء: 105.
(2) الشعراء: 92 ـ 194.
(3) آل عمران: 79.
(4) النجم: 2 ـ 4.
(5) عبد علي بن جمعة الحويزي: تفسير نور الثقلين ج5: 706، المطبعة العلمية، إيران ـ قم، بلا تاريخ.
(6) البقرة: 107.
(7) التوبة: 116.
(8) المؤمنون: 115.
(9) آل عمران: 104 ـ 105.
(10) المائدة: 8.
(11) آل عمران: 110.
(12) البقرة: 143.
(13) الأنبياء: 92.
(14) آل عمران: 103.
(15) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 106.





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد

سماحة السيد كامل الهاشمي
| فكر وثقافة | القراءات:2317 التعليقات:0
1999/11/29 | فكر وثقافة | القراءات:3772 التعليقات:0
2009/09/26 | فكر وثقافة | القراءات:2002 التعليقات:0


ارسل لصديق