ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة
لمحة من دعاء الصباح
كتبه: العلامة الشيخ حسين المصطفى
حرر في: 2009/10/15
التعليقات: 0 القراءات: 1745
أنّ التفكر في حقيقة الله جلت قدرته هي التي تكشف حقيقة غيره أما هي فلا تحتاج إلى من يكشفها من الخارج ؛ وذلك لأنّ الإنسان عندما يتجه إلى ذاته المقدسة يراها مستغنية عن كل أحد ، وغنية عن من يديرها، ويسيرها، ويضفي عليها نعمة الوجود والبقاء .

قوله عليه السلام : " يا من دل على ذاته بذاته ، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته ، وجل عن ملائمة كيفياته".

( يا من دل على ذاته بذاته ) :

بعد أن وقف الداعي عند هذه النقطة الانتقالية ، وبعد أن اعترف بمرتبة الظهور الإلهي من خلال النطق التكويني (كن فيكون) والاعتراف بملكوت الله عز وجل ، والاعتراف بمظهر ديمومة هذا الملك ، وظهورها الواضح كالشمس المتوهجة لدى العيان ، واعترافه أنّ كلّ ذلك من إظلال الله ومن نوره الفعلي المستظل بذاته .

" فيا من كان نور ذاته دليلاً موصلاً للطالبين إلى ذاته المتعالية من مدارك الأفهام ومسالك الأوهام" وهذا مشهد مخصوص للكاملين .
وأما الناقصون فيستدلون من الأثر على المؤثر .
فالأول كمن رأى الشمس بنور الشمس .
والثاني كمن استدل على وجود الشمس بظهور أشعتها .

وقد ذكر العلماء لكيفية الانتقال إلى ذاته المقدسة بواسطة المدركات العقلية طريقين :

1 - طريق الانتقال من المعلول إلى العلة :

حيث يستدلون أولاً على حدوث الأجسام والأعراض ، ثم يستدلون بحدوثها وتغيراتها على وجود الخالق، ثم بالنظر في أحوال المخلوقات ..
قال أمير المؤمنين عليه السلام : "بصنع الله يستدل عليه ، وبالعقول تعتقد معرفته، وبالتفكر تثبت حجته".

ويبدو هذا واضحاً من خلال المحاورة التي جرت بين الإمام الصادق عليه السلام وتلميذه هشام بن الحكم ، حيث يقول عليه السلام : " يَا هِشَامُ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَكْمَلَ لِلنَّاسِ الْحُجَجَ بِالْعُقُولِ ، وَنَصَرَ النَّبِيِّينَ بِالْبَيَانِ، وَدَلَّهُمْ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ بِالْأَدِلَّةِ فَقَالَ : ﴿ وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يَا هِشَامُ قَدْ جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّ لَهُمْ مُدَبِّراً فَقَالَ: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .

وقال أمير المؤمنين عليه السلام : " وأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ وعَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ واعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَظَهَرَتِ الْبَدَائِعُ الَّتِي أَحْدَثَتْهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ وأَعْلَامُ حِكْمَتِهِ فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ ودَلِيلًا عَلَيْهِ ... ".

2 ـ طريق الانتقال من العلة إلى المعلول :

وقد سلكه النبي الأكرم excaim مع من سأله قائلاً : بماذا عرفت ربك ؟ فأجاب excaim : " بالله عرفت الأشياء ".
حيث أثبت excaim أنّ التفكر في حقيقة الله جلت قدرته هي التي تكشف حقيقة غيره أما هي فلا تحتاج إلى من يكشفها من الخارج ؛ وذلك لأنّ الإنسان عندما يتجه إلى ذاته المقدسة يراها مستغنية عن كل أحد ، وغنية عن من يديرها، ويسيرها، ويضفي عليها نعمة الوجود والبقاء .

وأما الطبقات الخاصة : فهؤلاء هم ذوو النفوس الرفيعة التي سمت إلى رحاب الله فانصهرت فيه ، ولفّها الشوق إليه فكانت تراه في كل صغيرة وكبيرة وفي كل شيء في هذا الوجود، وقد أضفى الله عليهم من نوره فكان هذا النور هو الضوء الذي دلهم عليه .

وهم الذين أشار إليهم الإمام الحسين عليه السلام بقوله في دعاء عرفة : " أنت الذي أشرقتَ الأنوار في قلوب أوليائك ، حتى عرفوك ووحدوك، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك ، حتى لم يحبوا سواك، ولم يلجأوا إلى غيرك ، أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم ، وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم ".

فكل البرهانين التي تدل على الله - ما عدا هذا الطريق- تحتاج إلى وسائط بين الإنسان ومعرفة الله سبحانه من قبيل :
ـ الفطرة بواسطة مبدأ الانجذاب ..
ـ النظام الكوني بواسطة مبدأ النظام البديع ..
ـ التوازن بواسطة مبدأ التوازن القائم بين أشياء الطبيعة ..
ـ الهداية بواسطة مبدأ الهداية في عالم الحيوان ..
ـ الحدوث بواسطة مبدأ أنّ لكل حادث من محدث .....
إذن لا يستطيع الإنسان - من خلال هذه البراهين - التوصل إلا بتوسط الممكنات تلك .

وأما برهان الصديقين فلا حاجة إلى شيء من هذه الوسائط، وهو ما دلّ عليه الإمام عليه السلام في كلامه الشامخ : "يا من ذل على ذاته بذاته".

ولذلك يقف الحسين عليه السلام مستنكراً أمام تلك البراهين ؛ لأنّ الله غني عن غيره وغيره فقير إليه فكيف يكون غيره مظهراً له .. وبتعبير آخر : فإنّ من افتقر إلى غيره ليظهره لا بدّ وأن يكون ذلك الغير أجلى منه وأوضح ليدل عليه مع أنه في مقام كشفه هو مفتقر ومحتاج إليه :
" كيف يستدل عليك بما هو مفتقر في وجوده إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ؟!! متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ؟!! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟ عميت عين لا تراك عليها رقيباً ".
وكذلك هو الحال مع زين العابدين عليه السلام حيث يقول في دعاء أبي حمزة : "بك عرفتك وأنت دللتني عليك، ولولا أنت لم أدرِ ما أنت".

ولذلك يرى الباقر عليه السلام أنّّ ما كانت بغير هذا الطريق إنما هو وهم مدرج تحت إدراكاتنا وحواسنا : "كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود عليكم".

ويعضد مقالة الباقر عليه السلام المناجاة الثانية عشرة (مناجاة العارفين) ، والتي أولها : " إلهي قصرت الألسن عن بلوغ ثنائك كما يليق بجلالك ، وعجزت العقول عن إدراك كنه جمالك ، وانحسرت الأبصار دون النظر إلى سبحات وجهك ، ولم تجعل للخلق طريقاً إلى معرفتك ، إلا بالعجز عن معرفتك".

( وتنزه عن مجانسة مخلوقاته ) :

(تنزه) : تبعد عنه .
ويذهب الملا صدرا إلى التنزيه ثلاثة أنواع :
1 - تنزيه الذات عن نقص الإمكان الذي هو منبع السوء .
2 - تنزيه الصفات عن وصمة الحدوث بل عن كونها مغايرة للذات المقدسة وزائدة عليها .
3 - تنزيه الأفعال عن القبح والعبث وكونها جالبة إليه نفعاً أو دافعة عنه ضراً كأفعال العباد .

ولذلك يقول زين العابدين عليه السلام : " أَنْتَ الَّذي قَدَّرْتَ كُلَّ شَيْء تَقْديراً ، وَيَسَّرْتَ كُلَّ شَيْء تَيْسيراً ، وَدَبَّرْتَ ما دُونَكَ تَدْبيراً .. أَنْتَ الَّذي لَمْ يُعِنْكَ عَلى خَلْقِكَ شَريكٌ ، وَلَمْ يُوازِرْكَ في أَمْرِكَ وَزيرٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ مُشاهِدٌ وَلا نَظيرٌ ".

(مجانسة) : المجانسة : المشاركة في الجنس والاتحاد فيه ، ويمثل لذلك باشتراك جميع الفصائل الحيوانية في ماهية واحدة وهي : " الحيوانية " وإنما يفصل بينهما بالفصل .. فيقال : هذا إنسان ، وذاك فرس ، وذلك طير ..
فكأنك تخاطب الله تعالى بهذا النداء : يا من بعد عن الاشتراك مع مخلوقاته في الجنس والماهية .

فلكي لا يقع الإنسان في الوهم والتشبيه صار المقام مقام التنزيه والإجلال ؛ لأنه تعالى خارج عن الحدين ، حد التشبيه وحد التعطيل .
فالمسلمون ينظرون إلى الله من صفات الكمال والجلال ( التوحيد والتنزيه ) . بخلاف النصارى فإنهم يقولون بالتوحيد الذي لا تنزيه معه .

ولذلك يقول الحسين عليه السلام : " أيها الناس اتقوا هؤلاء المارقة الذين يشبهون الله بأنفسهم ، يضاهون قول الذين كفروا من أهل الكتاب ، بل هو الله ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير".

( وجل عن ملائمة كيفياته ) :

(جلّ) أي عظم . وجلّ الرجل عظم قدره . والجليل ضد الحقير .
ومنه قول زين العابدين عليه السلام : " وَأَجْلَلْتَ فيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ" : أي عظّمت قدرها .
(ملائمة) الملائمة : الموافقة .
(كيفياته) الكيفية : هي من كل شيء حالته وصفته ، ولذلك قالوا : إنّ الكيفية ما يقال في جواب : كيف هو ؟
كما هو الحال في الكمية : ما يقال في جواب : كم هو .
والماهية : ما يقال في جواب : ما هو.

وقد قسّم الحكماء الكيف إلى أقسام عديدة ، ولكنّ أقسامه الأولية أربعة وهي :
1 ـ الكيفيات المحسوسة : المتشعبة بحسب المشاعر الخمسة .
2 ـ الكيفيات النفسانية : جميع حالات النفس وملكاتها كالإرادة والقدرة والجبن والشجاعة والفرح والغم ونحوها .
3 ـ الكيفيات الإستعدادية : وهي خاصة بالأجسام لأنها عبارة عن تهيؤ الجسم لقبول ما يلحقه من الخارج كاللين ، والإباء ، والصحة ، والمرض ، ونحوها .
4 ـ الكيفيات المختصة بالكم : كالانحناء والاستقامة - وهما من خواص الخط - ، وكالتقعر والتحدب - وهما من خواص السطح- ، وكالزوجية والفردية - وهما من خواص العدد ...

وجلّ الله عز وجل أن يكون له كيفية ؛ فلو كان له كيفية : فإما أن تكون حادثة فيكون هو تعالى محل الحوادث ، وإما قديمة فيلزم تعدد القدماء .
يقول الصادق عليه السلام : " ولا يوصف بكيف ، ولا أين ، ولا حيث .. فكيف أصفه بكيف ! وهو الذي كيّف الكيف حتى صار كيفاً فعرفت الكيف بما كيّف لنا من الكيف".
وفي حديث آخر : " ما وحدّه من كيّفه ".
وقد سئل سائل الصادق عليه السلام : فله كيفية ؟
قال : " لا ؛ لأنّ الكيفية جهة الصفة والإحاطة ، ولكن لا بدّ من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه ؛ لأنّ من نفاه أنكره ورفع ربوبيته وأبطله ، ومن شبّهه بغيره فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الذين لا يستحقون الربوبية ، ولكن لا بدّ من إثبات ذات بلا كيفية لا يستحقها غيره ولا يشارك فيها ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره ".

أقول : هذا الحديث مثل فقرة الدعاء ، إشارة إلى أنّ له تعالى صفات هي عين ذاته، وليس له معاني وأحوال قديمة خلافاً للأشاعرة ، ولا حادثة خلافاً للكرامية .. يقول أمير المؤمنين عليه السلام : " وكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ وكَمَالُ الْإِخْلَاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ وشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ ومَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ " .





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد


ارسل لصديق