تربية العقل بين الإيمان وتحديات العصر
كتبه: المرجع السيد محمد حسين فضل الله
حرر في: 2009/10/08
التعليقات: 0
القراءات: 2213
نحن في حاجة إلى نعقلن كل شيء عندنا ؛ أن نعقلن الفكر حتى لا ينطلق من السطح، بل من العمق ، وحتى لا يختلط بالخرافة، كما أدخلها البعض في الفكر والدين ، وحسبوها فكراً وديناً ، فعاش العالم المتخلّف هذا الخلط ، وقدّس الخرافة باسم الدين .

عقلنة الحياة

خلق الله الإنسان قبضةً من طين ونفخةً من روحه، وهذا الروح الإلهي الذي دخل في تكوين الإنسان كان عقلاً ؛ عقلاً يتحرك ليجعل الإنسان خليفته في الأرض، وليحرّك العقل ليعقلنها في كلّ عناصر الحياة، في عملية نموّ وإبداع وحركة . أن تكون الحياة عقلاً ينفذ إلى العمق إلى كل ما في الحياة من عمق ، من أجل أن يكتشف أسرارها بالعلم .

نحن نعرف أن الله سبحانه وتعالى قال للعقل أقبل إليّ، انفتح عليّ، اصعد إلى سمواتي، انفتح على آفاقي، لأعطيك كل ما في مواقع القدرة عندي ومواقع الرحمة لديّ ، أقبل إليَّ لأعطيك الطهر والنقاء والصفاء ، حتى تتجه إلى الأعماق لتكتشف الحقيقة. وتوجه العقل إلى ربِّه فأقبل، ليستوحي من ربِّه كلَّ ما يغني عناصره في اكتشاف الكون، ليعرف كيف يدير الكون ويعقلنه .

﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (فصلت/53). وهكذا ، أقبل العقل إلى ربِّه ليتعرَّف أولاً ربَّه، ليتعرف سر الوجود عندما يتعرف سرَّ الربوبية والإلوهية . وهكذا ينطلق العقل من المعرفة بالله تعالى ، لتمتدَّ إلى معرفة كل ما خلقه الله تعالى، وكل ما أبدعه، "ثم قال له أدبر فأدبر"، امشِ أمامي وتحرَّك ، لأعرف كيف تتوازن خطواتك في خط مسؤوليتك .     

ثم قال له، وقد أعطى الله تعالى معنى العقل للعقل : "ما خلقت خلقاً أعزَّ عليّ منك"، فالعقل هو سر كل عظمة الخلق، هو القيمة التي تعطي للإنسان قيمته، فالإنسان عقل قبل أن يكون جسداً، بل إن هذا النوع من التواصل بين العقل والجسد، استطاع أن يعقلن الجسد، حتى الأنبياء والأولياء، عظمتهم أن عقولهم قد أخذت أساليب الكمال، فكان الرسول عقلاً وقيمته هي عقلانيته.

وقد ورد عندنا: " أنَّ الرسول عقلٌ من خارج ، والعقل رسولٌ من داخل "، هذا النوع من التزاوج بين العقل والرسول، يجعل الرسالة عقلاً. وبذلك ، فإن الرسالة لا يمكن أن تلتقي بالخرافة ، ولا يمكن أن تلتقي بالتخلّف ، أو تلتقي بالجهل ، بل إنَّ الرسالة تحتضن العقل وتختزنه من أجل أن تغيِّر العالم على صورتها. 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (الأنفال/24)، وقالها الله : «إياك آمر وإياك أنهى، وبك أثيب وبك أُعاقب» . عندما يقوم الناس لربِّ العالمين ، يقف العقل ، وتتحرك كل العقول أمام الله تعالى لتقدم حساباتها بين يديه تعالى، بأنه هل استطاع العقل أن يعقلن مسيرته ، أم أنَّه أعطى مسيرته خطاً لا يلتقي بحسابات الفكر ، على طريقة لهم قلوب لا يعقلون بها ؟! 

"وبك أثيب وبك أعاقب". إن الله تعالى يعطي القيمة للإنسان من خلال حجم عقله وحركية عقله ، ونحن نعرف أن الله تعالى عندما ينظر إلى الإنسان ينظر إلى عقله ، لأنه يريد للإنسان أن يُعقلن مسؤوليته وعاطفته وغريزته ، لأن المادة التي تعيش في داخل الغريزة ، قد تقتل الإنسان عندما تنحرف غريزته عن مسارها العقلاني الطبيعي لتهلك واقعه .

لذلك ، لا بد من أن نعطي الغريزة جرعةً من العقل ، لنوظِّفها في طبيعة حاجة الحياة إلى الغريزة في استمراريتها وحيويتها ، ولكن مع التوازن في حركتها وواقعها ، كذلك ، لا بد من أن نعطي العاطفة جرعة من العقل ، لتتوازن وتتأصَّل ، لأنّ الإنسان قد يجمح في عاطفته ، فيحب من دون حساب، ويبغض من دون حساب .

ولذلك ، يأتي العقل ليخاطب في الإنسان أساس العاطفة ، ما هي العناصر التي تجعله يحب الآخر أو يحب الشيء ؟ ما هي العناصر المادية ؟ ما هي العناصر الروحية ؟ ما هي الأسس التي يرتكز عليها حبُّه؟ لأنّ الحبَّ لا بد من أن يكون مفتوح العينين ، ولا يجوز أن يكون أعمى ، لأنّ العمى في الحبِّ يجعل الإنسان يتخبَّط ويسقط في كل المهاوي ، ويجعل حبه حباً فوضوياً غير متوازن .

وهكذا عندما يبغض ، لا بد من أن يعرف العناصر التي تبرّر له هذا البغض ، حتى لا يكون الحب حالة انفعال والبغض حالة انفعال ، بل ليكون الحب _ أيّ حب _ منطلقاً من حبه لله تعالى ، ومن حبه لرسل الله ، ومن خلال هذا الحبّ ينطلق حبه للناس من حوله ، وحبه للحياة ولما يلتذ به ويحلو له ، حتى يكون حبه منطلقاً من دراسة ، بحيث يقترب من معادلة 1+1= 2 ، لا الحب كيفما كان ، ولا الحب من خلال نظرة طارئة أو من خلال لذة آنيّة ، لأنّ اللذة تزول ، والنظرة تختفي .

وهكذا أيها الأحبة ، نحن في حاجة إلى نعقلن كل شيء عندنا ؛ أن نعقلن الفكر حتى لا ينطلق من السطح، بل من العمق ، وحتى لا يختلط بالخرافة، كما أدخلها البعض في الفكر والدين ، وحسبوها فكراً وديناً ، فعاش العالم المتخلّف هذا الخلط ، وقدّس الخرافة باسم الدين .

إنّ علينا أن نعقلن وعينا للدين، وتصوّرنا له ، من خلال الفهم العقلاني الثقافي المتوازن ، الذي يجعلنا نفهم الدين بجذوره العقلية والفكرية . نحن لا نعتبر الإيمان فوق العقل كما يعتبره بعض أتباع الديانات ، بل إن العقل هو الذي ينتج الإيمان ، ولا عمق لإيمان لا يرتكز على العقل . نحن نؤمن بالله تعالى لأن العقل قادنا إلى وجوده، وقادنا إلى توحيده ... فنحن وحَّدناه ، لأنّ عقلنا اكتشف توحيده ، ونحن عبدناه ، لأن عقلنا اكتشف عبوديتنا له وطاعتنا له .

وهكذا أيها الأحبة ، لا بدّ لنا من أن نعقلن الحياة الاجتماعية ، حتى لا تسقط في خطِّ العصبية العمياء، بل لتتحرّك على أساس نظم وخطوط وقواعد ، تجعل من المجتمع جسماً واحداً ، ينطلق كلُّ أفراده لتحقيق الأهداف الكبرى للمعنى الاجتماعي في المجتمع الذي يؤكِّد قضاياه الكبرى ، كما يؤكِّد للأفراد قضاياهم الحيوية .

ولا بدّ من أن نعقلن السياسة ، حتّى لا تكون انفعالاً وحالةً طارئة وعاطفة ، بل لتكون خطة تدرس كل حاجات الإنسان وأهدافه ووسائله ، بطريقة عقلانية تحسب حساب القوة والضعف ، والربح والخسارة ، والبداية والنهاية .

ولذلك ، فإنّ عقلنة السياسة تفرض أن لا يستقلّ بالسياسة أفراد ينطلقون من خلال ذاتية فكرهم، ليتبعهم الناس تصفيقاً وتهليلاً وتكبيراً واتّباعاً أعمى . إنَّ عقلنة السياسة تعني أن يكون لكل شخص ممن تتصل حياته بالسياسة ، فكرٌ سياسيّ وخطّ سياسيّ ، وأن يتعرَّف مواقع السياسة عندما يرتبط الداخل بالخارج ، وعندما تندمج القضايا الإقليمية بالقضايا الدولية ، وعندما تتحرك مصالح المستضعفين في مواقع مصالح المستكبرين . أن لا تكون السياسة تقليداً ، بل تكون إنتاجاً وإبداعاً . أن لا نتحرك لأنّ الآخرين يريدون لنا أن نتحرك، بل لأننا نحن نريد ذلك ، ولأنّ الآخرين الذين ربما يملكون موقعاً في مركز القيادة ، لا بُدَّ لهم من أن يتكاملوا معنا.

أن يكون هناك اندماج بين القاعدة والقمة . ولعل مشكلة السياسة في العالم الثالث ، أو في العالم العربي والإسلامي ، أنها سياسة انفعالية ، عاطفية واتّباعية ، تصفيق وحركة دون معرفة للبداية والنهاية .

ولهذا ، لا سياسة في عالمنا العربي والإسلاميّ إلاّ القليل ، وما لدينا هو شعارات وهتافات ، وعبودية الشخص والحزب والحركة والمنظمة ، هؤلاء الذين لا يسمحون للقاعدة أن تعترض وتناقش وتفهم ، لأن القضية أننا أدمنّا السّير من دون أن نفهم، لأنّ الشعب إذا فهم ، فإنه يسبّب مشكلة للآخرين .

أيها الأحبة ، لا بد لنا أيضاً من أن نعقلن المستقبل ، من خلال دراسة المتغيرات التي يسير بها العالم في سرعة قياسيّة ، ولا بدّ من مواكبة هذه المتغيّرات ورصد المستقبل ، من خلال كل هذه الهزات الثقافية والاجتماعية والسياسية والأمنية ، لنعرف كيف نصنع المستقبل بتخطيط عقلي وموضوعي ، وحتى لا نقع بما وقع فيه الآخرون، عندما تصوّروا أنّ العالم جامد وثابت . فالعالم متغيّر وعلينا مواجهة كل التحديات فيه ، سواء كانت ثقافية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية ، لنعرف كيف نرتفع إلى مستوى هذه التحديات ، حتى نعرف كيف نواجهها ، وكيف نخفف من أخطارها ، أو لنتعايش معها في بعض المراحل .

وعلى ضوء هذا ، لا يجوز لأية جهة أو قيادة ، مرجعيّة أو سياسيّة أو ثقافيّة أو اجتماعيّة ، أن تبقى على الحياد، في عالم يسقط الحياديين ، لأنّ العالم - سواء كان عالماً خيّراً أوً شريراً - هو عالم الموقف ، أما الذين لا موقف لهم ، فإنهم يخرجون من العالم حتى لو كانوا قياديّين ، لأنّ من لا يشارك العالم في كل تطوراته وتحدياته وأوضاعه ، يخرج منه ويكون ميتاً بين الأحياء .

إن علينا أن نشارك في كل حركة العالم ، سلباً أو إيجابا ً، لأننا إذا كنا أصحاب قضية أو أصحاب دعوة ، فلا بد لنا من أن نحرك هذه القضية في مفاصل العالم ، وأن نطلق هذه الدعوة في كل عقول العالم ، حتى إذا أغلقوا علينا باباً من هنا ، نحاول أن نفتحه من هناك . لا يكفي أن نأكل فتات موائد الآخرين ، بل يجب أن نصنع موائدنا ؛ أن نطبخ ، أن ننضج ، أن نزرع ، أن نصنع ، أن نستعمل كل طاقاتنا لنصنع العنفوان في مستقبلنا ، حتى لا نعيش اللامبالاة والغياب ، كما قال ذاك الشاعر :

                                         ما مضى فات والمؤمَّلُ غيبٌ              ولك الساعة التي أنت فيها

ما مضى فات ، ولكن لا بدّ من أن نأخذ منه الدرس والعبرة ، والمؤمَّل غيب لا بد من أن نكتشف ما فيه مما هو في داخله ، مما يفتح لنا الله تعالى بعض جوانبه . أما الساعة التي نحن فيها ، فعلينا أن لا نهملها، بل أن نجعلها ساعة محملةً بكل عناصر القوة التي يمكن أن تصنع المستقبل ، ولا نقول كما قال ذلك الشاعر :
                                                    نبني كما كانت أوائلنا        تبني ونفعل مثلما فعلوا

نبني ونعلي البناء ، ولكنّنا نتقدم عليهم في ذلك ، لأنّ الحياة هي حالة تطوّر، إنّ العقلانية تتحدَّى كل إنسان في وجوده ليعقلن وجوده ، وليعقلن ساحته ، وليعقلن حركته في الانفتاح على الله تعالى ، ليعرف كيف يتحرك في معنى انفتاحه على الله تعالى ، وعلى الناس وعلى الحياة ، لنحوِّل العالم إلى عقل .

لقد قال بعضهم إنّ العالم ليس عقلاً ، وكأنه ينتقد ما في العالم من حركة ، ونحن نقول ، إذا أردنا عالماً ينطلق من أجل الحالة التصاعدية، فعلينا أن نجعل العالم عقلاً، أن نسلِّط العقل عل كل خرافاتنا ليمحوها ، أن نسلط العقل على كل تقاليدنا وعاداتنا ليصحّحها ، أن نسلّط العقل على كل ثقافاتنا لينميها وليؤصلها ، أن نسلّط العقل على كل واقعنا من أجل أن يخطط له في الخط المستقيم .

إن ساعة العقل يمكن أن تهيّىء لك مستقبلاً كبيراً في مستوى القوّة وفي مستوى العنفوان ، وقد ورد عندنا حول مسألة التفكير الذي هو نتيجة العقل : "تفكر ساعة خير من عبادة سنة"، لأن هذه الساعة تضيء لك معنى عبادتك ومعنى إيمانك ومعنى حياتك.

أيها الأخوة والأخوات ، عليكم وأنتم تتحركون في مواقع التخطيط للتّربية ، أن تنمّوا عقولكم بالفكر والتأمّل والتجربة المستمرة والممارسة، وأن تدرسوا كلَّ خطوة لتتعرفوا إيجابياتها وسلبيّاتها. إنّكم الآن تعملون على أن تعطوا الجيل الجديد علماً وتربية ، ولكن مع ذلك ، وقبل ذلك ، حاولوا أن توجِّهوا الجيل الجديد إلى أن يفكر، لا أن توجهوه إلى أن يقلّد .

إنّني أدعوكم إلى تربية أولادنا منذ البداية على التّفكير النّاقد . علموا أجيالكم كيف ينتجون الفكر، كيف يعتمدون على أنفسهم ، كيف ينمّون عقولهم ، ليتعلم الآباء والأمّهات أن لا يقمعوا الأبناء ليمنعوهم من التفكير، وليمنعوهم من الحوار معهم والمناقشة ، حتى ننشئ جيلاً يملك الاستقلال في عقله ، وفكره ، ويخطط لمستقبله.

إنها المسؤولية الكبيرة ؛ أن نصنع إنساناً في عقله وعاطفته وحركته في الحياة . تلك هي المسألة، وتلك هي المسؤولية غداً أمام الله تعالى الذي يسألنا كيف صنعنا هذا الإنسان الغض الطري الذي قد يكون في المستقبل قائداً أو مصلحاً أو طاغية أو ما إلى ذلك ؟ لذلك فلنبدأ المسؤولية .





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد

المرجع السيد محمد حسين فضل الله

الولادة والنشأة

ولد سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله في النجف الأشرف/العـراق في19/شعبان/1354هـ ، حيث كان والده آية الله السيد عبد الرؤوف فضل الله قد هاجر إليها لتلقّي العلوم الدينية ، وأمضى مع أسرته فترات طويلة في الدرس والتدريس، ضمن الحاضرة العلمية الأبرز في العالم آنذاك .

الدراسة العلمية

ترعرع السيد فضل الله في أحضان الحوزة العلمية الكبرى في النجف الأشرف، وبدأ دراسته للعلوم الدينية في سنّ مبكرة جداً .. ففي حوالي التاسعة من عمره، بدأ بالدراسة على والده، وتدرّج حتى انخرط في دروس الخارج في سنّ السادسة عشرة تقريباً، فحضر على كبار أساتذة الحوزة آنذاك، أمثال: المرجع الديني السيد أبو القاسم الخوئي ، والمرجع الديني السيد محسن الحكيم ، والسيد محمود الشاهرودي ، والشيخ حسين الحلي (قدّس سرهم) ، وحضر درس الأسفار عند الملاّ صدرا البادكوبي .
وقد كان سماحة السيد فضل الله من الطلاب البارزين في تحصيلهم العلمي في تلك المرحلة ، ويُذكر في هذا المجال أن السيد الشهيد محمد باقر الصدر (ره) قد أخذ تقريرات بحث السيد فضل الله إلى السيد الخوئي لكي يُطلعه على مدى الفضل الذي كان يتمتع به سماحته ، هذا الأمر الذي انعكس فيما بعد ثقة كبيرة من المرجع الخوئي تجاه السيد فضل الله ، فكانت وكالته المطلقة له في الأمور التي تناط بالمجتهد العالم .
وقد أثر عن سماحة السيد فضل الله أنه كان من الأوائل البارزين في جلسات المذاكرة ، حتى برز من بين أقرانه ممن حضروا معه، فتوجّهت إليه شرائح مختلفة من طلاب العلم في النجف آنذاك ، فبدأ عطاءه العلمي أستاذاً للفقه والأصول .

العطاء العلمي

حضر عند سماحته في النجف الكثير من طلاب العلم، من اللبنانيين والعراقيين والسوريّين، ممّا يسمّى بالمقدمات وحتى السطوح، حتى درّس عدة دورات في كتابي "المكاسب" و"الرسائل" للشيخ مرتضى الأنصاري ، وكتاب "كفاية الأصول" لللآخوند الخراساني.
وقد كان كل أقرانه يشهدون له بالمكانة العلمية والتحصيل ، حتى افتقدته الساحة الإسلامية في العراق عندما عاد إلى لبنان في العام1966م، وهذا ما عبّر عنه السيد محمد باقر الصدر حين قال: "كل من خرج من النجف خسر النجف إلاّ السيد فضل الله، فعندما خرج من النجف خسره النجف".
وكما اهتمّ سماحته بالدراسة الدينية الحوزوية ، اهتمّ بالنشاط الثقافي في النجف ، فانتُخب عضواً في المجمع الثقافي لمنتدى النشر، وقد شارك في الحفلات الأدبية، وكان على اطلاع على الثقافة العصرية، فكان يقرأ المقالات التي يكتبها الأدباء والمفكّرون في المجلات المصرية واللبنانية التي كانت تصل إلى النجف آنذاك، فكان يقرأ – في سن العاشرة- مجلة "المصوّر" المصرية، ومجلة "الرسالة" التي كان يصدرها حسن الزيّات، ومجلة "الكاتب" التي كان يصدرها طه حسين، وغيرها.
وهذا الأمر أوحى إليه، مع بعض زملائه، ومنهم السيد محمد مهدي الحكيم ، نجل المرجع السيد محسن الحكيم ، بإصدار مجلة خطّية باسم "الأدب". يقول العلامة المرجع السيد فضل الله في هذا المجال: "وكنا نحررها في سن العاشرة أو الحادية عشرة في ذلك الوقت، وكنا نكتب عدداً كلما زاد مشترك، وكنا نعيش هذا الهاجس في أنفسنا".
وعندما أصدرت جماعة العلماء في النجف الأشرف مجلة (الأضواء) سنة1380هـ، وهي مجلة ثقافية إسلامية ملتزمة، كان سماحته أحد المشرفين عليها مع السيد الشهيد محمد باقر الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين.. يقول سماحته: "كان السيد محمد باقر الصدر، في السنة الأولى منها، يكتب افتتاحيتها بعنوان "رسالتنا"، وكنت أكتب أنا الافتتاحية الثانية بعنوان "كلمتنا"، وقد جمعت هذه الافتتاحيات في كتابي "قضايانا على ضوء الإسلام".
وعندما عاد سماحة السيد فضل الله إلى لبنان في العام1966م، على إثر دعوة وجّهها إليه مجموعة من المؤمنين الذين أسسوا جمعية أسرة التآخي التي تهتم بالعمل الثقافي الإسلامي الملتزم، من خلال شعورهم بمدى حاجة الساحة الإسلامية اللبنانية إلى سماحته، لم ينقطع عن العطاء العلمي، فأسس حوزة "المعهد الشرعي الإسلامي"، وشكّل بذلك نقطة البداية لكثير من طلاب العلوم الدينية، وقد تخرج على يديه كثير من العلماء البارزين في الوسط اللبناني، وما يزال المعهد قائماً حتى وقتنا الراهن.
شرع سماحته بإلقاء "دروس الخارج" في الفقه والأصول على طلاّب العلم منذ ما يزيد عن العشرين عاماً، ويحضر درسه في بيروت ما يزيد عن المائة طالب من اللبنانيين والعراقيين وغيرهم، وقد درس على يديه العديد من أهل العلم والفضل وأساتذة الحوزة، وقد صدرت تقريرات لبعض أبحاثه في النكاح والرضاع والوصية والمواريث والقضاء، وغيرها، بالإضافة إلى مئات أشرطة التسجيل الصوتي في الأبواب الفقهية والأصولية المتنوعة.
وبالإضافة إلى درس الخارج في بيروت، شرع سماحته بتدريس الخارج في حوزة المرتضى في دمشق/سوريا، في يومي السبت والأحد من كل أسبوع، يحضره العديد من طلاب العلم وأساتذة الحوزة، من العراقيين والخليجيين بشكل خاص، ممن هاجروا إلى الشام وأقاموا في جوار السيدة زينب(ع) وقد درّس سماحته في أبواب مختلفة من الفقه، وطبع من تقريراته كتاب "فقه الإجارة"، وفقه الشركة ، ويتابع حالياً التدريس في فقه مناسك الحج.

المنهج الفقهي الأصولي

تميّز سماحة السيّد (دام ظلّه) بتجربة فقهية وأصولية متميّزة جعلت منه مجدّداً في هذا العالم، متابعاً لمسيرة السلف الصالح من الفقهاء، وممهّداً الطريق نحو اجتهاد أصيل في فهم الكتاب والسنّة، وقد ساعده على ذلك فهمه العميق للقرآن الكريم ، انطلاقاً من تفسيره "من وحي القرآن"، وذوقه الرفيع في اللغة العربية وآدابها، والذي يُعتبر الركن الأساس في فهم النصّ، ويمكن لنا أن نذكر عدّة مميّزات في هذا المجال:
1. اعتماد سماحته على الرؤية القرآنية كأساس في الاجتهاد والاستنباط بوصفه الأساس التشريعي والدستوري الأول في سلّم مصادر التشريع، وقد مكّنه ذلك من الوصول إ لى معطيات فقهية جديدة تمثّل فهماً قرآنياً أصيلاً.
2. محاولة تخليص الفقه من التعقيدات التي أفرزها تأثّر الممارسة الاستنباطية والتنظير الأصولي بالفلسفة التجريدية، ما أدى إلى تشويش الفهم العرفي في تعامله مع النصّ في دلالته ومعطياته. وليس ذلك إنكاراً لأهمّية الأصول كما توهّم الكثيرون، وإنما هو العمل على التوفيق بين النظرية والتطبيق التي خالف فيها كثيراً من الفقهاء لسبب وآخر.
3. الشمولية في الرؤية الفقهية، حيث تتحرّك العملية الاستنباطية لتجمع كل المفردات المترابطة التي تشكّل المنظور الإسلامي المتكامل، خلافاً للمنهج التجزيئي الذي يعمل على تقطيع أوصال الأحاديث التي تنتمي إلى وادٍ واحد.
4. الذوق الأدبي الراقي، والقدرة اللغوية المتميّزة عند سماحته، أعطى لممارسته الاستنباطية عمقاً وأصالة وصفاءً من جهة، ووفّر له فهماً أدقّ وأعمق للنصوص الشرعية من جهة أخرى.
وبالإضافة إلى كل ذلك، امتلك سماحة السيد (دام ظلّه) الجرأة العلمية على طرح نظريّاته الفقهية عندما يتوصل إلى قناعة ثابتة بها، ورأى أنّه في ظل وضوح الرؤية لدى الفقيه، ليس ثمّة مبرّر له في الاحتياط، لأن الاحتياط لا بدّ أن يرتكز على دراسة واقعية لظروف المكلّفين لا لظروف المجتهد، لأن الاحتياطات التي لا أساس علمياً لها، أوقعت المكلّف بالحرج والمشقّة في كثير من المجالات الابتلائية، ولذا أفتى سماحته بطهارة كلّ إنسان، وبجواز تقليد غير الأعلم، وباعتماد علم الفلك والأرصاد في إثبات الشهور القمرية، وغير ذلك، وقد قال بعض الفضلاء وهو يشير إلى بعض الفتاوى السابقة، إنه وصل إلى نفس النتائج، والفرق أن "السيّد كان أجرأ منّا"..

من مؤلفاته :

للعلامة المرجع السيد فضل الله مؤلفات كثيرة منها :

القسم الأول : مولفات عامة منها :

1- فقه الشريعة (الرسالة العملية) .
2- أحكام الشريعة .
3- فقه الحياة .
4- تحديات المهجر.
5- الإسلام ومنطق القوة .
6- مع الحكمة في خط الإسلام .
7- مفاهيم اسلامية عامة .
8- قضايانا على ضوء الإسلام  .
9- الإسلاميون والتحديات المعاصرة  .
10- المعالم الجديدة للمرجعية الشيعية .
11- حوارات في الفكر والسياسة والاجتماع  .
12- العلامة فضل الله وتحدي الممنوع .
13- من وحي القرآن ( 24مجلداً ) .
14- مطارحات في قضايا قرآنية .
15- الندوة ( 20 مجلداً ) .

القسم الثاني: المؤلفات الخاصة

1- كتاب الجهاد، كتبه سماحة السيد علي فضل الله .

2- رسالة في الرضاع، بقلم الشيخ محمد أديب قبيسي,

3- كتاب النكاح، الجزء الأول، بقلم الشيخ جعفر الشاخوري.

4- كتاب الوصية، إعداد المركز الإسلامي الثقافي.

5- كتاب الإجارة، بقلم السيد محمد الحسيني.

6- كتاب القرعة والاستخارة، إعداد المركز الإسلامي الثقافي.

7- كتاب النذر واليمين والعهد، إعداد المركز الإسلامي الثقافي.

8- كتاب الصيد والذباحة، إعداد المركز الإسلامي الثقاف.ي

9- رسالة في قاعدة لا ضرر ولا ضرار، بقلم الشيخ محمد أديب قبيسي.

10- فقه المواريث والفرائض ج1 وج2، بقلم الدكتور الشيخ خنجر حميّة.

هذه هي الأبحاث الفقهية والتي أنجزت إلى حين كتابة هذه السطور، وقد طبعت وأنجزت جميعها وصدرت عن دار الملاك، وهناك بعض الكتب الأخرى تحت الطبع وقيد الإعداد نذكر منها ما وصلنا خبره.

11- كتاب النكاح، الأجزاء الثاني والثالث، بقلم الشيخ جعفر الشاخوري .

12- كتاب الأطعمة والأشربة، بقلم الشيخ محمد أديب قبيسي.

13- كتاب الطلاق وتوابعه، بقلم الشيخ محمد أديب قبيسي.

14-كتاب القضاء وما يلحق به، بقلم الشيخ خنجر حميّة والشيخ محمد أديب قبيسي.

15- كتاب الحج، بقلم السيد محمد الحسيني.

وغيرها من المؤلفات الكثيرة .

2009/10/08 | فكر وثقافة | القراءات:2213 التعليقات:0
2009/09/12 | اسألوا أهل الذكر | القراءات:1444 التعليقات:0
2009/09/07 | لقاءات وحوارات | القراءات:1809 التعليقات:0
2009/09/07 | فكر وثقافة | القراءات:2345 التعليقات:0
2009/09/07 | أقلام ورؤى | القراءات:2160 التعليقات:0


ارسل لصديق