الإسناد إلى الشارع
كتبه: سماحة الشيخ صالح آل شهاب
حرر في: 2009/10/06
التعليقات: 0
القراءات: 1956
حذراً من بثّ ثقافة الحشو الروائي التي طالما حذّر علماؤنا من عواقبها الوخيمة ويجب مراجعة أهل الخبرة في فنّ نقد الحديث ودرايته ، والرجوع إلى المصادر الموثوقة قبل الخوض في حديث لا يُدرى بصحّته

إسناد أمرٍ إلى الشارع يحتاج إلى حجّة يُستند عليها ، وللحجّة أثران :
     1. صحّة الاستناد إليها في مقام العمل، بمعنى أنّ العامل لأيّ عملٍ شرعي يفتقر لطريقٍ يوصله إلى صحّة العمل، فالفقيه يسلك الأدلة المعروفة عنده ليصل إلى الحكم الشرعي ، والعامي يرجع يستند إلى الفقيه لكونه أهل خبرة ، وهو ما يعرف بالتقليد ، فلا يحقّ لأحد أن يعمل من دون مستندٍ شرعي .
     2. صحّة إسناد مؤدّاها إلى الشارع ، بمعنى أن يقول أو يعتقد برأي الشارع في قضيةٍ ما من القضايا ، فلا يمكنه أن يدّعي وجهة نظر الشارع من دون مستندٍ شرعي .

     ومن هنا كان لزاماً على المكلّف القطع أو الاطمئنان بالحجّة التي يستند إليها ؛ لأنّ الشكّ فيها يساوق القطع بعدمها ؛ إذ الأصل عدم الحجيّة ، والعمل بلا حجّة يعني التشريع العملي أو القولي ، وقد دلّت الأدلة الأربعة على تحريمه أمّا الكتاب فمنه ما يدّل على عموم حرمة العمل بغير ما هو علمي كقوله تعالى:﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ * إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [1]. ومنه ما يدلّ على خصوص حرمة الإسناد إلى الشارع بغير حجّة كقوله تعالى:﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [2]. ومنه ما يدلّ على حرمة الكذب على الله عزّ وجلّ ؛ لأنّه من مصاديقه ، بل من أجلاها ، ومن أبشع صور الكذب هو الكذب على الشارع ،كقوله تعالى :﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ * إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ .[3]. وقوله تعال: ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .[4].
     وأمّا من السنّة فيدلّ عليه ما دلّ على حرمة الكذب أيضاً ، كقول أمير المؤمنين عليه السلام :"لئن يخطفني الطير أحبّ إليّ من أن أقول على رسول الله excaim ما لم يقل".[5]. وقوله عليه السلام :"فو الله لئن أخرّ من السماء أو تخطفني الطير أحبّ إليّ من أن أكذب على رسول الله excaim". [6]. وهو من الكبائر كما في الرواية عن الصادق عليه السلام :"الكذب على الله وعلى رسوله من الكبائر".[7].

     وأمّا من العقل فمن المسلّمات العقلية قبح نقض الغرض ، ومن الواضح أنّ القول بغير علم ينقض أغراض الشارع ، وهو أيضاً من الكذب عليه، ويحكم العقل العملي بقبحه.
     وأمّا الإجماع فقد انعقد عند المسلمين على حرمة إسناد ما لا يُعلم أنّه من الشارع إلى الشارع ، فضلاً عن حرمة إسناد ما يُعلم أنّه ليس منه .

      ولا ريب في ثبوت الحرمة للإسناد غير العلمي ، ولكن قد يعتري الشكّ بعض التطبيقات ومن أهمّها :
     1. السنن الشرعية من مستحبات ومكروهات ، فهل نحتاج فيها إلى حجّة لصحّة الإسناد إلى الشارع ، أم لا ؟ ومن أبرز ما نبتلي به الأدعية وهي جوهر العبادة ومخّها أو محّها ، ممّا يعني أنّها تُصيغ علاقة العبد بربّه تعالى ، وكذا الزيارات التي ترسم موقف العبد من أولياء الله excaim ، وأيضاً الروايات الأخلاقية والآداب الإسلامية التي تحدّد مسار شخصيّة المسلم وهويته، حيث تشكّل هذه الأمور الثلاثة مساحة كبيرة في التراث الإسلامي ، ولا يجدينا نفعاً التمسّك بروايات "مَن بلغ" والعمدة فيها صحيحة هشام بن سالم (ره) ؛ لأنّها إنّما تثبت الثواب على العمل بعد الفراغ من مشروعيته في رتبة سابقة . [8]. فعلى القاعدة لا بُدّ من التثبّت سنداً ومتناً ممّا يُنقل في الأدعية والزيارات والأخلاق والآداب المنسوبة للمعصومين excaim والمسندة إلى الشارع، لأنهم excaim لسانه الناطق ، وإذا ضعُف السند أمكن الاعتماد على متنها إذا كانت منسجمةً مع روح الإسلام وتعاليمه السامية .


     2. الحوادث التاريخية ذات الأثر الشرعي ، وهي المرتبطة بالمعصومين من أنبياء وأئمة excaim، أمّا ما لا يرتبط بأثر شرعي كالقول بولادته أو وفاته في اليوم الكذائي فلا تُعتبر إسناداً للشارع كي يتّجه الإشكال .
     وهذا ما يدعونا إلى التثبّت من النقل عن الشارع المقدّس ، ولا يكفي أن ندعي شهرة المنقول ، فكم من مشهورٍ لا أصل له ، والأدهى والأمرّ أن تسمع من يتساهل في روايات الفضائل والكرامات بحجّة أنّ ذلك من الكذب لهم لا من الكذب عليهم أو بدعوى أنّ الفضائل لا يأتي فيها الافتراء !!! ولا ندري تحت أي غطاء استحلّ صاحب هذه المقالة الكذب ، ومن أي طريقٍ استباح الأخذ من الضعفاء والغلاة والمجهولين الذين أكثروا من التدليس والعبث في روايات المسلمين ؟!.
     والتمسّك بالمنقول تارةً : يكون رواية غير نقيّة السند أو المتن ، لكن يوجد لها أثر في المصادر الروائية ، فينقلها الناقل من دون خبرة في صدقها أو عدمه ، أو بحسن نيته بالمصدر، كما ينقل كثير من المبلّغين روايات من بحار الأنوار أو الفخري أو شجرة طوبى وغيرها من الكتب ، مع عدم الالتفات إلى ضعف رواتها ، أو عدم ثبوتها من الناحية الفنيّة ، ويكتفي النّاقل بكونها موجودة في كتاب روائي ، بل قد يقطع بصحّتها إذا كان الكتاب قديماً ، ويجهل طريقة المؤلّف أو منهجيّته في رصد الروايات وتسطيرها .


     وأخرى : لا يكون للمنقول عينٌ أو أثر أصلاً، وإنّما تتلقاها الألسن ، ثمّ تصبح في أذهان الناس رواية ، ثمّ يقطعون بصدورها ، ثمّ يصيّرونها من صميم الدين ومن المسلّمات العقائدية ، ولكلا الصورتين شواهد كثيرة في التراث الروائي ، لسنا بصدد ذكرها ؛ كي لا ينشغل القارئ بها عن لُبّ المطلب .


     والذي ينبغي التنبيه عليه ـ حذراً من بثّ ثقافة الحشو الروائي التي طالما حذّر علماؤنا من عواقبها الوخيمة ـ هو مراجعة أهل الخبرة في فنّ نقد الحديث ودرايته ، والرجوع إلى المصادر الموثوقة قبل الخوض في حديث لا يُدرى بصحّته ، أو تضييع الوقت وشغل النّاس برواية قد لا يكون لها أساس من الصحّة ، وإذا كان المبلّغ خطيباً أو كاتباً لا علم له بمصادر الحديث فالأجدر به الانتقال إلى ما هو مسلّم الصدور عنهم excaim ، أو البحث في آية قرآنية، أو عليه بدراسة علم دراية الحديث، وإن عجز عن هذا وذاك فلا يعجز عن السكوت ، ولسنا بحاجة إلى التمسّك بالضعيف ، فإنّ في الحقّ كفاية، مع احترامنا الفائق لكافّة المبلّغين ، زادهم الله تعالى علماً وعملاً ، ونفع بهم البلاد والعباد.

     والمرجو من الأخوة عدم تحوير الكلام ، أو تحريفه ، أو إفراغه من محتواه ، فما هي إلاَّ إثارةٌ علميّة ، وتنبيهٌ لقضيّةٍ هي من صميم ثقافتنا الدينية، وكلّنا تحت منابر أساتذتنا العلماء ، منهم نستفيد ، وإليهم نرجع ، وبهم نلوذ ، أعلا الله تعالى كلمتهم ، وحرسهم ، وأيدهم بنصره إنّه لطيف لما يشاء .
والحمد لله ربّ العالمين وصلّى على محمّد وآله الطاهرين وصحبه الميامين .
----------------------------------
[1] الإسراء : 36
[2] الحاقّة:44و45و46
[3] النحل:116
[4] آل عمران:78
[5] الوسائل:ج11ص102ح1
[6] قرب الإسناد:133/466
[7] الكافي ج2ص339ح5
[8] يمكنك الرجوع إلى الروايات في الوسائل ج1 أبواب مقدمة العبادات ب18





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد

سماحة الشيخ صالح آل شهاب

بطاقة التعريف :

الاسم : صالح بن كاظم بن علي بن مدن آل شهاب .
مكان الميلاد : الجارودية
تاريخ الميلاد : 16 / 11 / 1391 هـ .
عنوان السكن : الجارودية – البراحة .

السيرة العلمية

بعد إكماله الثانوية العامة سنة 1410 هـ هاجر طلباً للعلم في محرم الحرام 1411هـ إلى سوريا مجاوراً لمقام السيدة الطاهرة زينب الكبرى (عليها) وحتى نهاية عام 1415هـ . درس خلالها المقدمات وقسماً من السطوح ، ثم توجه إلى الجهورية الإسلامية الإيرانية وأكمل دراسته في مدينة قم المقدسة 1416هـ بعد الزواج ، وحضر عند بعض فضلائها الحلقات والمكاسب والرسائل .

وفي عام 1418هـ قبيل شهر رمضان المبارك أقام في مسقط رأسه - الجارودية - لظروف ألمّت به فغدا يأخذ دروسه في المكاسب والكفاية من بعض الأساتذة الفضلاء ، ثم حضر درس الوسائل "حديثاً ورجالاً" في شوال عام 1420هـ عند صاحب الفضيلة سماحة الأستاذ الشيخ حسين المصطفى دامت بركاته ، كما حضر في الوقت ذاته البحث الخارج فقهاً وأصولاً عند سماحة العلامة الأستاذ السيد منير الخباز حفظه الله تعالى ، ثم وفق لحضور البحث الخارج في قم المدقسة سنة 1422 هـ واختلف إليها عند بعض أساتذتها من أمثال آيات الله السيد أحمد المددي والسيد حسين الشاهرودي والشيخ علي المروجي القزويني حفظهم الله تعالى ، نسأل الله تعالى له التوفيق .

نشاطاته الحالية :

• أحد مدرسي حوزة دار العلم بالقطيف .
• إمامة الجماعة وإلقاء البحوث والمحاضرات في المناسبات الدينية .
• ممارسة الخطابة الحسينية .

المؤلفات :

1- قاعدة سوق المسلمين : بحث استدلالي

2- النظريات الخمس في نشأة الكون : إثبات الصانع لهذا الكون طبقا لنظرية الإلهيين .

3- خديجة الكبرى أم المؤمنين : بحث في حياتها يقع في أربع مراحل وخاتمة .

4- دليل العباد من المبدأ إلى المعاد : دروس عقائدية تثبت بالدليل الأصول الخمسة .

5- رسالة في غسالة الاستنجاء : بحث استدلالي .

6- سهل بن زياد : رسالة مختصرة في اثبات وثاقة سهل بن زياد الآدمي .

2011/01/29 | عقائدي | القراءات:1895 التعليقات:6
2011/01/04 | أقلام ورؤى | القراءات:2316 التعليقات:0
2009/10/06 | فقهي | القراءات:1956 التعليقات:0


ارسل لصديق