المرأة بين «الجندر» الغربي والتنمية القرآنية
كتبه: عفاف الجمري
حرر في: 2009/08/24
التعليقات: 0
القراءات: 2579
فالتنمية الشاملة والمستدامة من إمارات الإيمان القوي والراشد بيد أن عملية التنمية الفاعلة هي التي تستند على الإنسان بشقيه الذكر والأنثى. فالمرأة نصف المجتمع يجب أن لا يُغفل دورها وإن كان ثمة ما يعوق

عرف آية الله الشيخ محمد علي التسخيري ( رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية ) التنمية الاجتماعية بأنها ''التحرك الاجتماعي الواعي المنظم، والمنسق على مختلف الصعد المادية، والمعنوية نحو الأفضل إنسانيا''.

وعرفتها الدكتورة ثريا البرزنجي بالقول ''والتنمية بمفهومها العلمي العام، هي العملية الهادفة لإجراء تغيير جذري في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع، ولبناء نظام سياسي يرتكز على مؤسسات ديمقراطية منتخبة بنزاهة، ويكفل احترام حقوق الإنسان ويشجع قيام ونمو وتطور المجتمع المدني ومنظوماته، ويعزز دوره في الحياة العامة وصنع المستقبل، فضلا عن حماية البيئة من أخطار التلوث وهدر الموارد الطبيعية، ويدخل ضمن غاياتها أيضا تحقيق توزيع عادل للمداخيل ، ومعالجة العلل الاجتماعية على أساس تكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين، أن هذه الأهداف تشكل من دون شك خلاصة مركزة لأي مشروع تقدمي يهدف إلى تحويل المجتمع جذريا والقضاء على التخلف وتحقيق الرفاه الاقتصادي والاجتماعي''.

وقد قال سيد البلغاء الإمام عليعليه السلام: ''من تساوى يوماه فهو مغبون''.

فالتنمية الشاملة والمستدامة من إمارات الإيمان القوي والراشد بيد أن عملية التنمية الفاعلة هي التي تستند على الإنسان بشقيه الذكر والأنثى. فالمرأة نصف المجتمع يجب أن لا يُغفل دورها وإن كان ثمة ما يعوق تفعيل هذا الدور فينبغي معالجته، وقد اتهمت الأحكام الإسلامية على الدوام بأنها وراء تخلف المرأة عن المشاركة في عملية التنمية، فما مدى صحة هذا الاتهام؟ وهل الأحكام الإسلامية بالفعل هي سبب هذا التخلف أم أن التأويلات البشرية للنصوص الإسلامية هي المسؤولة؟ للإجابة على هذا السؤال نحتاج للبحث في النصوص الإسلامية من قرآن وسيرة بتجرد عن أثر البيئة والعادات والتقاليد وبذلك نخرج بنتائج باهرة ترينا أن الإسلام في أصله كان فتحا عظيما شوهته حاليا تراكمات الزمن والفهم الفقهي المتأثر بالبيئة والعادات، فنجد أن القرآن سبق الدعاوى العالمية الحالية لما يسمى بـ''الجندر'' فساوى إنسانيا بين المرأة والرجل وميز - وهنا يختلف عن المفهوم الغربي-  في بعض ما يتعلق باختلاف الخلقة ( دون أن يعني ذلك التشوهات التي حصلت لاحقا وظلمت المرأة باسم الدين فشرعنت الحجر على طاقاتها والعنف ضدها..إلخ ) والشواهد على ذلك كثيرة منها:

قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  ﴾ الحجرات 13  ، ﴿ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ﴾. آل عمران 195 .
وباستقراء السيرة والتاريخ الإسلامي نجد أن المرأة في صدر الإسلام قد شاركت في تنمية المجتمع من جميع النواحي، الاقتصادية والسياسية والفكرية، فاقتصاديا كانت النساء يتصدين لحرف وأعمال كثيرة وينهضن بقطاع أساسي من قوى العمل والتخصص والانتاج، قالت أم الحسن النخعي ''مرَّ عليَّ أمير المؤمنين عليه السلام فسألني.. أي شيء تفعلين؟

قلت : أغزل فقال : اعلمي أن الغزل من طيبات الكسب''. وكانت السيدة خديجة عليها السلام من كبار تجار الحجاز والبلدان المجاورة، وكانت الشِفاء من المبايعين الأوائل ومن المهاجرين وكانت تعد من أعقل الصحابيات وقد علَّمت عائشة وحفصة علم الطب والخط بأمر من رسول الله  وقد قال عنها ابن حجر: ''كانت من عقلاء النساء وفضلائهن وكان رسول الله  يأتيها ويقيل عندها في بيتها.. كان عمر excaim يقدمها في الرأي ويرعاها ويفضّلها وربما ولاّها شيئاً من أمر السوق[1]''.

وممن ورد اسمهن أيضاً '' سمراء بنت نهيك''  التي كانت تتولى الحسبة في السوق وكانت ترتدي درعاً غليظاً وخماراً وبيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وتفيد الروايات المنقولة عن الشيعة والسنة أن فاطمة الزهراء  كانت تتولى أوقاف وصدقات النبي  ولم تتخل النساء عن اهتمامها بالخطابة في عهد الرسالة ولا عن الشعر.

وقد كان للشعر والخطابة أهمية كبرى عند العرب منذ الجاهلية بحيث كان لكل قبيلة خطيب وشاعر عزة أو ذلة قبيلته رهينة بقدرته فهو لسانها الإعلامي وقد برزت عدد من الشاعرات والخطيبات اللاتي اتخذن ذلك كمهنة من مثل أسماء بنت يزيد وأم سلمة. ومن الشاعرات صفية وأروى، وعملت النساء في صدر الإسلام في مهن كثيرة أخرى لا حصر لها فممن عملن في الطبابة والجراحة : رفيدة وأم عطاء ، وأم كبشة ، وجمنة بنت جحش، ومعاذة ، وليلى ، وأميمة ، والربيع بنت معوّذ.

أما سياسيا فهناك جانبان : ''المشاركة السياسية'' و''التمكين السياسي'' بمعنى استلام المناصب القيادية والسياسية.
بالنسبة للأول فإن الآية الكريمة: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾ التوبة: 71 ، صريحة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من الذكور والإناث من باب ولايتهم على بعضهم بعضا من دون تمييز. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له أساليبه المتنوعة بتنوع الأزمة، والتي منها الانتخاب والترشح للمقاعد البلدية والبرلمانية ومجالس إدارات الأحزاب.. إلخ، وتسنم المناصب القيادية والسياسية وهو ما يشمله الحديث النبوي الشريف: ''كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته''.

وشاركت النساء فعلا مشاركة سياسية واضحة في صدر الإسلام فمن بيعة العقبة الأولى والثانية إلى الهجرة واشتراك النساء في الغزوات ووقوفهن إلى جنب الرجال في كل المنعطفات المهمة.

أما الثاني، أي التمكين، فإن الأدلة السابقة تشمله، أيضا الآيات التي تتحدث عن قصة بلقيس ملكة سبأ فيها دروس لا يمكن إغفالها هذه القصة لم يذكرها الله جزافا، بل فيها عبرة عن امرأة جنبت قومها الدمار، إذ تتحدث عن حكمة بلقيس وصفاتها القيادية.

بعد هذا كيف يقال إن المرأة لا تصلح للولاية والرئاسة ؟ ويتم التمسك بحديث ضعيف السند والدلالة ويخالف صريح القرآن هذا وهو ( ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ) فها هم قوم بلقيس قد أفلحوا وقد ولوا أمرهم امرأة.

ونرى أن النيابة عن الإمامة أوكلت إلى امرأتين في التاريخ الشيعي هما السيدة زينب حين نابت عن الإمام الحسين والسيدة حكيمة أخت الإمام العسكري حين نابت عنه عندما كان في السجن، وقيادة السيدة عائشة للحرب في الفقه السني فلم تكن هناك غضاضة لقيادة المرأة إذا تطلب الوضع لا شيعيا ولا سنيا.

أما فكريا، فإننا نجد أنه حتى في مسألة الإفتاء، نرى النساء في صدر الإسلام الأول محدثات ومناقشات ومجادلات.
ففاطمة الزهراء وقفت تناقش الخليفة أبا بكر في حقها في الإرث فاستدلت على منطقها بالقرآن وقالت ''وورث سليمان داوود. ''
وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ . وقال ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ . وقال ''يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ''.
وقال ''إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين''. وزعمتم: ''أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم هل تقولون: إنا أهل ملتين لا يتوارثان؟ أولست أنا وأبي من ملة واحدة؟''. إلى آخر احتجاجها أليس هذا إفتاء واستنباطاً؟.
وفي حديث أن السيدة عائشة أم المؤمنين ذكر أمامها أن الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه أي يعذبه الله وقد ذُكر أمامها أنه حديث عن الرسول صلى الله عليه وآله فردت ''ولا تزر وازرة وزر أخرى'' إذ كيف يُعذب على جرم أهله حيث يعتبر أصحاب هذا الرأي أن البكاء على الميت ذنب.
والتاريخ الإسلامي يذكر الكثير من المحدثات من الشيعة والسنة فهناك إضافة إلى عائشة وفاطمة الزهراء، أم سلمة وشهدة بنت أبرى التي كانت تدرس رجالاً خرج منهم رواة مثل (ابن عساكر) و(ابن الجوزي) ومنهن السيدة نفيسة بنت الحسن.

يقول الأستاذ عبد اللطيف فايد: ''كانت دارها مزار كبار العلماء في عصرها يجلسون إليها ويستمعون منها ويناقشون مسائل العلم منها وأيضا السيدة حكيمة أخت الإمام العسكري التي فوض لها أن تستلم دوره عندما كان في السجن''.
وأدبيا برزت عدد من الشاعرات والخطيبات -كما ذكرنا- من مثل أسماء بنت يزيد وأم سلمة ومن الشاعرات صفية وأروى كما وتوجد في كتب التاريخ أشعار نسبت إلى السيدة خديجة والسيدة الزهراء وأم سلمة وعائشة وفضة وغيرهن كثير.
إن تعطيل طاقات المرأة الفكرية والعلمية والأدبية تعطيل لنصف المجتمع وتمييز لا يقره الشرع بل العرف والتقليد فقط ولا يضع الشرع من قيود غير الحشمة.

[1] ''الإصابة''، الجزء الثامن، ص .163
[2] ''الاحتجاج'' للطبرسي، ص .102





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد


ارسل لصديق