المشروعية السياسية عند الإمام الرضا (ع)
كتبه: سماحة السيد كامل الهاشمي
حرر في: 2009/09/26
التعليقات: 0
القراءات: 2001
أن الأساس الذي تعتمده المشروعية السياسية في ممارسة السلطة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر عملية مزاوجة بين المعرفة والقوة، بوصفهما الشرطين الأساسيين لتوفير إمكانية واقعية للقيام بمتطلبات الحكم والإدارة السياسية في أيّ مجتمع بشري


     تلازمات العلم والقوة في المشروعية السياسية عند الإمام الرضا عليه السلام يتحدث معجم بلاكويل عن "الشرعية" بالقول: (هي مفهوم ذو أهمية في العلوم الاجتماعية أشاعه ماركس [MARX] وويبر [WEBER]، فالنظام السياسي يكون شرعياً حين يقبله المواطنون بوصفه على درجة كافية من الحق والصحة لكي يطاع، لكن الطاعة ليست كافية بحدّ ذاتها لأن الناس يطيعون أوامر نظام يثير الرعب فيهم، لكنهم لا يقبلونه بصفته يتمتع بسلطة [AUTHORITY] شرعية، فالسلطة هي قوة تمّ إضفاء الصبغة الشرعية عليها) [فرانك بيلي : معجم بلاكويل للعلوم السياسية، ص372].

     انطلاقاً من هذا التحديد لمفهوم الشرعية يمكننا القول أن الأساس الذي تعتمده المشروعية السياسية في ممارسة السلطة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر عملية مزاوجة بين المعرفة والقوة، بوصفهما الشرطين الأساسيين لتوفير إمكانية واقعية للقيام بمتطلبات الحكم والإدارة السياسية في أيّ مجتمع بشري، وبغض النظر عن خلفياته العقيدية أو المذهبية أو الجنسية، وبتفصيل أكثر فإن "المشروعية" التي ينبغي أن تحظى بها الإدارة السياسية مفهوم للسلطة يقوم على توفر وإحراز الأفضلية، وهي تعني تقدم في صاحب السلطة ضمن مستويات ثلاثة تتمثل في التالي:

أولاً : العلم والمعرفة ( البعد المعرفي ) :

     والذي يقتضي فرض وجود هذا البعد هو أن السلطة في جوهرها ممارسة هادفة تبتغي تحقيق العدل وبسط الأمن والاستقرار، وتستلزم القيام بجملة من الوظائف التي تتوقف على معرفة تامة بأدق التفاصيل، وبمقدار ما يجهل الإنسان متطلبات القيام بمهام السلطة بمقدار ما يكون عرضة للوقوع في أخطاء، أصغرها سوء التدبير، وأكبرها الوقوع في براثن الاستبداد السياسي، والذي يقترن بالجهل وقلة المعرفة.

ثانياً : التقوى والشجاعة ( البعد النفسي ) :

     وما يقتضي التوفر على هذا الشرط في أداء صاحب السلطة شخصاً كان أو جهة، هو أن العلم والمعرفة لا ينفعان في شيء بلا حزم وإصرار، والحزم والإصرار على إتباع الحق وتنفيذه يستدعيان كفاءة نفسية عالية، لا يطمع من تتوفر فيه في شيء سوى إحقاق الحق وهو مقتضى التقوى، ولا يخاف من أحد غير ما يستدعيه منه ضميره ووجدانه وهو مقتضى الشجاعة، ولا شك أن التقوى والشجاعة صفتان مبدأهما النفس، وإن كان أثرهما يظهر في العمل والممارسة.

ثالثاً : النظام والقوة (البعد العملي) :

      بعد جهة العلم والمعرفة في الفكر، وجهة التقوى والشجاعة في النفس، لا مناص من أن تتوفر للسلطة السياسية التي تبتغي الالتزام بمتطلبات المشروعية والحكم وفق مقتضياتها من جهة عملية تترجم كفاءاتها العقلية والنفسية إلى واقع ملموس ، وهذه الجهة هي ما يمثل بعد العمل والذي يتقوّم بعنصري النظام والقوة، لأن العمل الغوغائي الذي يفتقد النظام يصادم متطلبات المشروعية ويعيق مقتضياتها، والعمل الضعيف الذي يفتقد القوة لا يتمكن من تحقيق متطلبات الإصلاح والاستقامة.

     وبهذه الثلاثة مجتمعة ومترابطة تتحقق الكفاءة المشترطة في القيادة الشرعية التي توازي مفهوم السلطة وتبتعد عن مفهوم السيطرة، وما يشير إلى ضرورة توفر هذه الأبعاد الثلاثة أولاً، والجمع والتركيب بينها ثانياً، من أجل استحصال مشروعية سياسية تامة هو حديث الإمام علي عليه السلام والذي يقول فيه: (الفضائل أربعة أجناس: أحدها الحكمة وقوامها في الفكرة، والثاني العفة وقوامها في الشهوة، والثالث القوة وقوامها في الغضب، والرابع العدل وقوامه في اعتدال قوى النفس) [بحار الأنوار، المجلسي ج 57، ص 81].

     وسياق الحديث وإن كان عن النفس الإنسانية المفردة، إلا أننا يمكننا تعميمه عبر النظر إلى هذه الجهات بوصفها عوامل ضبط لإيقاع إيّ جهاز بشري صغيراً كان أم كبيراً، والسلطة السياسية هي أهم جهاز بشري يحتاج إلى ضبط وانضباط في أبعاده الفاعلة والمؤثرة، ولذا فما تحتاجه النفس من فضائل ضمن مجالها الذاتي تحتاجه السلطة السياسية ضمن مجالها الإداري من أجل تحقيق الحد الأعلى من معدلات الشرعية السياسية، والقائمة أساساً على وجود قناعات داخلية من قبل المحكوم بحسن أداء الحاكم، وهي القناعات التي يحقق استمرارها جواً من التفاعل الإيجابي بين طرفي عملية الحكم والإدارة السياسية.

     وفي ضوء ما تقدم تتحدّد مراتب ومستويات المشروعية السياسية ضمن هذه المسارات الثلاثة :
1- المشروعية المفقودة، وهي تكون حينما تعتمد السلطة إمارة التغلب ودولة الاستبداد.
2- المشروعية الناقصة، وتتمثل في الحكم الثيوقراطي البحت، وفي النظام الشعبي الخالص.
3- المشروعية التامة، وتتكون من السلطة التعاقدية القائمة على المشروعية في المسارين العمودي والأفقي، ونعني بذلك أنها سلطة تعتمد على استحصال حق الملك والحكم والتدبير من مالك الملك والحاكم المطلق في عالم الوجود، وهو الله سبحانه وتعالى، وهو ما يمثل الامتداد العمودي للسلطة، ومن جهة أخرى تستحصل تمام المشروعية على مستوى الفعل والأداء من خلال رضا الجماهير وقناعاتهم الشخصية التي تشركهم في مهام الحكم عبر آلية الانتخاب والشورى الملزمة.
     

     والشورى الملزمة التي نتحدث عنها ونراها قاعدة أساسية لاستكمال متطلبات المشروعية السياسية، هي ما نلمح إشارة واضحة وصريحة إليها في التراث المنسوب للإمام الرضا عليه السلام، فقد جاء في الأثر (عن الرضا عن آبائه عليهم السلام عن على عليه السلام عن النبي excaim قال: من جاء، يريد أن يفرق الجماعة ويغصب الأمة أمرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه، فإن الله عز وجل قد أذن ذلك) ، الشيخ عزيز الله عطاردي ج 1، ص 238" href="#sمسند الامام الرضا عليه السلام ، الشيخ عزيز الله عطاردي ج 1، ص 238">[مسند الامام الرضا عليه السلام ، الشيخ عزيز الله عطاردي ج 1، ص 238]

     ومن الواضح أن الشورى الملزمة هي الطريق الوحيد لبناء توافقات سياسية مشتركة من جهة، وقادرة من جهة أخرى أن تشكل صمام أمان في مواجهة الصراع على السلطة وحسم الاستحقاقات الأيديولوجية تجاهها، والتي غالباً ما تدّعى من كل طرف في المجتمعات غير الديمقراطية، إذ لا توجد آلية محدّدة يتمّ التوافق عليها من قبل الجميع لحسم الاستحقاقات، فلا مناص من الرجوع إلى الشورى الملزمة لتحديد هذه الاستحقاقات، إذ لا يمكن أن تبنى توافقات مشتركة في ظل تباين الرؤى حول التأسيسات العقيدية للدولة ، كما أنه لا يمكن أن تبنى توافقات مشتركة في ظل تباين الرؤى حول التأسيسات الفقهية للدولة، فلم يبق أمامنا مجال لبناء توافقات مشتركة حول النظام السياسي إلا من خلال الرجوع لتوافقات عقلائية عملية تعني بحسم الخلاف عبر تحديد المصالح والتحديات المشتركة، وهو ما تحققه الشورى الملزمة لا الشورى الأخلاقية التي هي من التأديبات الشرعية الأخلاقية ولا تصلح أن تكون أساسا لقيام نظام سياسي يتوفر على آلية حسم ملزمة.
     ولأن الشورى والرجوع إلى رأي الأغلبية إنما يمثلان مجرّد آلية لحسم الخيارات في دائرة التوافق على الشروط الأولية التي لا مناص من توافرها في مستحق السلطة والمشروعية، والمتمثلة بشكل أساسي في العلم والتقوى والقدرة، فقد صرّح الإمام الرضا عليه السلام بضرورة تلازم هذه الشروط وتوافرها في شخصية الآمر الناهي، أو بتعبير آخر: في شخصية الحاكم الشرعي، فـ (عن صفوان، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: كان أبو جعفر عليه السلام يقول إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني إسرائيل حيثما دار التابوت أوتوا النبوة، وحيثما دار السلاح فينا فثم الأمر، قلت: فيكون السلاح مزايلا للعلم؟ قال: لا) [الكافي، الكليني ج 1، ص 238].

     وفي الكافي أيضاً: (عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إنما مثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل أينما دار التابوت دار الملك، وأينما دار السلاح فينا دار العلم) [ن م].

     وفي حديث آخر عنه عليه السلام في صفة الإمام يقول: (للإمام علامات يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس)، إلى أن يقول: (ويكون أولى الناس منهم بأنفسهم وأشفق عليهم من آبائهم، وأمهاتهم، ويكون أشد الناس تواضعا لله عز وجل، ويكون آخذ الناس بما يأمرهم به وأكف الناس عما ينهى عنه، ويكون دعاؤه مستجابا حتى لو أنه دعا على صخرة لانشقت نصفين، ويكون عنده سلاح رسول الله صلى الله عليه واله وسيفه ذو الفقار،...) [الخصال، الشيخ الصدوق ص 527-528].

     وهكذا تتحدّد المداخلات الممكنة أو المفترضة بين العلم والقوة على أنحاء أربعة :

النحو الأول : قوة بلا علم

     ونتيجته الوقوع في الاستبداد السياسي، قال تعالى: ) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ، فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ، فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ، قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ، قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ، لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( [الأعراف 117-124].

النحو الثاني : علم بلا قوة

     ونتيجته الاستضعاف وفقدان الفاعلية، قال تعالى: ( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ ، وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ، وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) [الأعراف 148-150] .

النحو الثالث : لا علم ولا قوة

     ونتيجته الوقوع في الفوضى والهرج والمرج، قال تعالى:( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر 2].

النحو الرابع : العلم والقوة

     ونتيجته الاستقرار والثبات السياسي والقيام بالحـق والعدل، قال تعـالى: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) [الحديد 25].

     وقال تعالى في شأن طالوت: ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [البقرة 247].

     وخاطب تعـالى نبيه يحـي بقـوله: ( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ، وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ، وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا ،  وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ) [مريم 12-15].





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد

سماحة السيد كامل الهاشمي
| فكر وثقافة | القراءات:2317 التعليقات:0
1999/11/29 | فكر وثقافة | القراءات:3772 التعليقات:0
2009/09/26 | فكر وثقافة | القراءات:2001 التعليقات:0


ارسل لصديق