الغناء والموسيقى
كتبه: رضا مختاري ، ومحسن صادقي
حرر في: 2009/09/19
التعليقات: 0
القراءات: 1879
فالموسيقى والدين مقولتان إنسانيتان وكلتاهما ضرب من التجربة.

إن الموسيقى والدين مقولتان لازمتا الإنسان منذ القدم، وقد بدأت الموسيقى حياتها بعد قليل من بدء الإنسان حياته، فيما ألقي الدين منذ أزمنة سحيقة بظله على روح الإنسان وجسمه. والدين، سواء أكان وليد إرادة الإنسان وفكره، أم كان مائدة من السماء، فإنه عندما عجن بحياة الإنسان، اصطبغ بلونه وحمل رائحته. لذلك فالموسيقى والدين مقولتان إنسانيتان وكلتاهما ضرب من التجربة.

وهما قد وضعتا يداً بيد حيناً وظللا حياة الإنسان بظل من المحبة، وتزاورتا حيناً آخر بعض عن بعض في نزاع وخصام، وفي هذا الصراع كانت الموسيقى تغلب الغريم أحيانا بالغنج والدلال فتجذب روح الإنسان اللطيفة بشباك شعرها نحو الخير أو الشر، أو كان الدين في أحيان أخري يعقد ما بين حاجبيه وينظر بعين الغضب شزراً إلى الموسيقى فيلقي بروح الإنسان المحبة للجمال في السجن مقيدة بقيود الآداب والسنن.

إن هذا التنائي والتقارب، وهذا الرفض والقبول، لم يكن على الصعيد الديني فحسب، بل على صعيد المذاهب الأعضاء في عائلة دينية واحدة يحدث هذا التباعد والتحابب والتلاطف والتجافي، أيضاً وبكثرة.
فمن جهة تجد العارف والصوفي يسمعان من نغمة الناي صوت الأذان، ومن سماع لحن القيثارة تتجسد أمامهما قيام القائم للصلاة. ومن جهة أخرى، يسمع الزاهد المتشرع من «الناي» صفير غضب نار الجحيم، ومن القيثارة صدى هراوات القائمين بالتعذيب. ثم كان يحدث أن عارفاً متعبداً ومتشرعاً حي القلب، فيما هما يحرسان حريم الشرع وآدابه، يسمعان من (الناي) و(القيثارة) نغمات مألوفة محبوبة.
إن هذه الحرب والسلام، والتنائي والتلاقي، بمثل ما لا تعرف لهما بداية بينة، لا يبدو أن لهما نهاية مرئية. كانا هكذا وسيكونان هكذا، وذلك لأن الذي يفسر الدين والموسيقى هو الإنسان نفسه، ورأي الإنسان رهين بمحيطه وظروف حياته، وظروف الحياة دائمة التغير والتبدل، فلكل عصر وزمان آلته الجديدة ونغمته الجديدة، ولكل إنسان أغنيته الجديدة بمقتضي ظروف زمانه.

إن التحقيق والدراسة العميقة لهذه القضية كانت مفيدة للإنسان وحيّة دائماً، خاصة إذا كانت هناك قرائن تطبيقية بين تلك المجموعة من تلك الأفكار التي تعزف نغمة التصالح بين الدين والموسيقى، وتلك المجموعة التي تدق طبول الحرب والقتال بينهما. إذا كانت المطالعات والتحقيقات شاملة لجميع الأديان فانه لعمل مجهد، وإذا لم تكن بهذا الاتساع فلا بد من تنسيقها ضمن إطار مذاهب الدين الواحد، وإلا ففي الأقل لا بد من دراسة وجهات النظر المختلفة خلال المذهب الواحد.
في العقدين الأخيرين، بعد قيام الدولة الإسلامية على أساس مذهب التشيع في إيران، ومواجهة فقه التشيع مقولات الحياة الإنسانية مواجهة صارمة، واستدعاؤه استدعاء جاداً للإجابة، نكئ مرة أخرى جرح شرعية الموسيقى ولا شرعيتها وحُمل الفقه حملاً شديداً على البحث والتحقيق، ونشب خصام بين فقهاء أهل السنة والمحدثين من الواقعيين، وظهر في الحوزات العلمية توجه نحو هذه القضية، ونشرت المقالات في المجلات والمنشورات.
وكانت الأدلة من الطرفين هي الأدلة القديمة نفسها وكانت القضية مربكة لكليهما.
وهكذا، بعد عشرين سنة، ما زال السؤال القديم، عما إذا كانت الموسيقى جائزة أم لا، باقياً في أستار الغموض وبدون جواب.
قبل سنوات قرر مركز التحقيق في مدرسة ولي العصر (عج) ضرورة القيام بإحياء التراث الفقهي، باقتراح من الأستاذ مختاري، عن طريق إصدار سلسلة تحت عنوان (التراث الفقهي)، وتحمل مسؤوليتها الأستاذ مختاري نفسه وعدد من أفاضل الحوزة العلمية في قم.
وعلى الرغم من معرفة الأستاذ مختاري وزملائه أهمية تاريخ الغناء والموسيقى، وضرورة دراسته بالنظر لصدور بعض الأحاديث عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فإنه من دون معرفة كيفية الغناء الذي كان سائداً في عصر المعصومين ( عليهم السلام ) لا يمكن التأكد من أنواع الغناء التي كان يقصدها أولئك المعصومون. إلا أن الهدف ليس شرح تاريخ الموسيقى ولا الموسيقى النظرية ولا علم الموسيقى، بل كان الجهد موجهاً إلى الرسائل والكتب التي تتناول الجوانب الفقهية للغناء والموسيقى، سواء من حيث تعيين الموضوع أو بيان الحكم.

لقد قام المصححون و عارضوا هذه المجموعة بتنظيم عملهم في الموسيقى والغناء في ستة أقسام.
في القسم الأول، وهو أطول الأقسام ويستغرق مجلدين، ثمان وعشرون رسالة فقهية مستقلة، مرتبة حسب تاريخ الوفاة. هذه المقالات هي الجزء الباقي من أربعين رسالة كتبها فقهاء سابقون. وهناك رسالتان أخريان ضمتا إلى القسم الثاني لبعض الأسباب.

عنوان الرسالة الأولى من هذه المجموعة هو «في تحريم الغناء» بقلم المحقق السبزواري صاحب (كفاية الأحكام) والمتوفي سنة 1090هـ . وقد حققها الأستاذ مختاري على خمس نسخ من 13 نسخة موجودة.
إن أهمية عمل المحقق السبزواري في باب الموسيقى والغناء ليست في تأليف هذا الكتاب، بل في تحريك البحث في الغناء والموسيقى وجعله من قضايا اليوم في العصر الصفوي، بكتابته رسالة أخرى لم يعثر عليها حتى الآن. ولكن على أساس تقرير أحد النساخين في زمانه أنه كان في تلك الرسالة قد اخرج بعض أنواع الغناء والموسيقى من دائرة الحرمة، ولكنه قد ضيق دائرة الاستثناء تلك، مكتفياً بإباحتهما في حفلات الأعراس الخالية من الرجال ومن باطل الكلام.

عنوان الرسالة الثانية في هذا القسم هو «تنبيه الغافلين وتذكير العاقلين» بقلم الشيخ علي العاملي المتوفي سنة 1103هـ، قام بتصحيحها على ثلاث نسخ السيد حسين الشفيعي.
يقول بعض المؤرخين إن الشيخ علياً قد كتب تلك الرسالة في الرد على نظرية المحقق السبزواري، على الرغم من انه لا يشير إلى مخاطبه، ولكنه يقول إن ما دفعه لتسطير هذه «الكلمات» هو ظهور بدعة عدم تحريم كل أنواع الغناء (ص 68).

الرسالة الثالثة عنوانها « رسالة في الغناء» كتبها الشيخ الحر العاملي المتوفي سنة 1104هـ. وحققها وصححها السيد رضا مختاري. لهذه الرسالة نسخة واحدة، والظاهر أن الشيخ العاملي قد كتبها ناظراً إلى آراء الفيض الكاشاني والمحقق السبزواري فيما يخص جواز الغناء وفي تلاوة القرآن، مشيراً إلى ذلك في قوله :
«هذه الرسالة جواب بعض الأخوة عن شبهة قائمة اليوم في أذهان الناس» (ص 109).

الرسالة الرابعة للسيد محمد هادي ابن السيد محمد مير لوحي المتوفي سنة 1113هـ، تحت عنوان «إعلام الأحياء في حرمة الغناء في القرآن والدعاء» تصحيح محسن صادقي، ويبدو من العنوان أنها تستند إلى فتوى المحقق السبزواري نفسها، وهي بالفارسية، ومستندة إلى نسختين من النسخ الخمس المصححة. وتتألف الرسالة من مقدمة وخمسة فصول وخاتمة.

الرسالة الخامسة عنوانها « مقامات السالكين» لمحمد بن محمد الدارابي، كان حياً في سنة 1130، كتبها بالفارسية، وحققها السيد جعفر النبوي، وقد سبق أن حققها ونشرها شخص آخر، ولكن السيد النبوي لم يجد التحقيق كافياً ورأى ضرورة القيام بتحقيق أوفى ويظهر أن مؤلف الرسالة كان من العرفاء، ورغم تصريحه بحرمة الغناء، أبدى شكه في بعض مصاديقه، واستثني تلاوة القرآن والذكر في عصره من الغناء واستحسنها.

الرسالة السادسة بقلم ماجد البحراني، الذي كان حياً في سنة 1152 هـ، عنوانها «إيقاظ النائمين وإيعاظ الجاهلين» وحققها السيد على مختاري، استناداً إلى ثلاث نسخ من الثماني نسخ المعروفة.
يعتقد المؤلف بحلية الموسيقى إلاّ في حالات خاصة، ويستنكر الفتاوى التي تحرم الغناء مطلقاً ويقول إن الأحاديث الناهية عن الغناء تستند إلى المعني العرفي له في صدر الإسلام وخاصة في بلاط الأمويين والعباسيين. وقد رد هذه الرسالة كل من ميرزا ابراهيم الخوزاني، ومحمد رسول الكاشاني، والمولى إسماعيل الخواجوي، والملا حبيب الله شريف الكاشاني، في كتاباتهم.

الرسالة السابعة للملا إسماعيل الخواجوي المتوفي سنة 1173هـ تحت عنوان «رسالة في الغناء»، تحقيق على مختاري ورسول كاظمي نسب. والرسالة استندت على النسختين الموجودتين في تصحيحها. وبعد أن ينقل المؤلف آراء السبزواري من (كفاية الأحكام) يقوم بنقدها، ثم ينقد رسالة السيد ماجد البحراني (ص 562). كما أنه على رأي أبي طالب المكي في كتاب قوت القلوب القائل بجواز الغناء( ص 564)، يضاف إلى ذلك أنه يورد آراء عدد من الفقهاء وغير الفقهاء، مثل آراء الرازي والطوسي (ص 567) والكاشاني (ص 633) وفيض وغيرهم، ويرد عليهم.

الرسالة الثامنة للسيد حسين بن محمد ابراهيم الحسيني القزويني، بعنوان «رسالة في حلّ حديثٍ ورد في الصوت الحسن» التي صححها السيد جواد الشبيري ومحسن الصادقي استناداً إلى احدي النسختين الموجودتين، وهي رسالة قصيرة تدور حول جارية مغنية شربت الخمر، ولكنها تذكّر الإنسان في غنائها بالجنة.

الرسالة التاسعة عنوانها«رسالة في الغناء» للمولي عبد الصمد الهمداني المتوفي سنة 1216، وقد صححها السيد احمد العابدي على النسخة الموجودة في المكتبة الوطنية.
يري عبد الصمد الهمداني أن الغناء شاع كثيراً في أيامه، حتى أنه يري بعض طلبة العلوم الدينية ينصرفون إلى الغناء ولا يعتبرونه من الغناء المحرم، وبعض آخر يرى التغني برثاء الإمام الحسين( عليه السلام ) من الحالات المستثناة من حرمة الغناء، لذلك فهو يبادر إلى تأليف هذا الكتاب ويعرب عن رضاه من تأثيراته.

الرسالة العاشرة للميرزا القمي المتوفي سنة1231هـ، تحت عنوان «رسالة في تحقيق الغناء» صححها السيد محسن الصادقي استناداً إلى نسختين مطبوعتين بالحجر. يقوم المؤلف في رسالته ببيان معني الغناء المحرم وحدوده وثغوره.

الرسالة الحادية عشرة عنوانها «رسالة في تحريم الغناء» للمولي محمد رسول الكاشاني الذي كان حياً في 1258هـ، وقد قام بتحقيقها السيدان ناصر الباقري البيد هندي و حسين الشفيعي استناداً إلى النسختين الموجودتين .
مؤلف هذه الرسالة يعرض لكتابات فقهاء مثل ماجد ابراهيم الحسيني، وفيض الكاشاني، وينقدها أحياناً.

الرسالة الثانية عشرة للميرزا محمد جعفر الشهرستاني، تحت عنوان «رسالة وجيزة في الغناء» حققها السيد ابو الحسن العلوي والسيد رسول كاظمي نسب، استناداً إلى النسخة الأصلية. تبدأ الرسالة بتعريف الغناء، ثم حكمه، وأخيراً موضعه بين الكبائر والصغائر .
كانت هذه اثنتي عشرة رسالة من مجموع 28 رسالة من القسم الأول، وقد نشرت في مجلد واحد، والرسائل الباقية نشرت في المجلد الثاني.
يضم القسم الثاني أقوالاً مبعثرة في الغناء. والقسم الثالث يجمع آراء الفقهاء في الغناء، والقسم الرابع تعريف بكتب الغناء، والقسم الخامس يتناول الأحاديث الخاصة بالغناء والقسم السادس يشمل أهل السنة والغناء.
كل ذلك يستدعي المجتهدين أن يبذلوا جهودهم الاجتهادية لحل هذا اللغز الذي ما يزال منذ القديم يتطلب الحل.





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد

رضا مختاري ، ومحسن صادقي
2009/09/19 | فقهي | القراءات:1879 التعليقات:0


ارسل لصديق