دفاع عن زيارة عاشوراء
كتبه: آية الله الشيخ الآصفي
حرر في: 2009/09/18
التعليقات: 0
القراءات: 2425
لماذا يسعى المؤلف المحقق (حفظه الله) للتشكيك في سند هذه الزيارة؟ وليس في هذه الزيارة شيء من الفقه ، لنبحث عن الحجة في المسألة الفقهية.

قرأت أخيراً كتاباً لبعض الأعلام المحققين (حفظه الله) في التشكيك في سند زيارة عاشوراء المعروفة، والجزم بأنّ الفقرة الواردة في نهاية الزيارة بتخصيص الخمسة باللعن (أربعة منهم غير مذكورين في متن الزيارة، والخامس مصرح به وهو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان لعنه الله)... أُضيفت إلى النص الذي يرويه الشيخ الطوسي في المصباح، ولم تكن في نسخة الأصل.
علماً بأن، هذه الفقرة لم ترد في النص الذي يرويه ابن قولويه(رحمه الله) في (كامل الزيارات) ووردت فقط في النسخ المطبوعة من مصباح المتهجد.
وقد حقق المؤلف (حفظه الله) في هذه الكلمة تحقيقاً واسعاً، من خلال تتبع النسخ المخطوطة للمصباحين المصباح الكبير و(المصباح الصغير) الذي اختصره الشيخ أبو جعفر(ره) من المصباح، فأثبت بصورة موثقة أنها من الإضافات التي أدخلت على المصباح، ولم يذكرها الشيخ الطوسي في المصباح في نسخة الأصل.


قرأت شطراً من الكتاب، فتساءلت لماذا يسعى المؤلف المحقق (حفظه الله) للتشكيك في سند هذه الزيارة؟
وليس في هذه الزيارة شيء من الفقه، لنبحث عن الحجة في المسألة الفقهية.
وليس في هذه الزيارة شيء يخالف الثابت من عقائدنا أو يخالف الكتاب وما ثبت من السنّة، لنتحرى عن وجه الدليل والحجّة.
وأما مسألة تخصيص الخمسة باللعن، وما يؤدي إليه من إثارة الفتن الطائفية وتعميق الخلاف بين المسلمين، فقد نفاه المؤلف بصورة علمية من خلال تتبع نسخ المصباح المخطوطة عبر القرون.
وقد ألِف الناس هذه الزيارة الشريفة، وتوارثوها جيلاً بعد جيل... والمؤلف لم ينف الزيارة ولم يَدَّعِ أنها موضوعة مجعولة، وإنما شكك في السند فقط، ولكن عامّة الناس من غير أصحاب الاختصاص يفهمون من هذا التحقيق أن الزيارة موضوعة، وهو ما لا يريده المؤلف قطعاً.
فلماذا يسعى المؤلف إلى إثارة هذا التشويش في نص شريف مبارك معروف يتوارثه الناس جيلاً بعد جيل، وقد وجدوا أن كبار العلماء كانوا يحرصون عليه، وهو في إجماله وتفصيله، عدا المسألة المتقدّمة، متطابق مع عقائدنا التي ورثناها من أهل البيتعليه السلام، ومن ذلك البراءة عن أعداء آل محمدexcaim، ولعن قتلة الحسينعليه السلام، وقد أعلنهما رسول الله صلى الله عليه وآله، ومعظم المسلمين يشاركونا فيهما معاً.
                                                                          * * *
وفيما يلي من هذا المقال، أحاول ـ إن شاء الله ـ أولاً أن ألقي نظرة إلى سند هذه الزيارة لإثبات اعتبار هذه الزيارة من ناحية السند، وأحاول ثانياً أن أثبت صحة هذه الزيارة بالقرائن الموجودة في أسنادها الخمسة عند الشيخين ابن قولويه وأبي جعفر الطوسي، حتى مع افتراض عدم اعتبار سند هذه الزيارة.

إذن نتناول دراسة هذه الزيارة إن شاء الله في هذه المقالة ضمن منهجين:
المنهج الأول: إثبات اعتبار الرواة.
المنهج الثاني: إثبات اعتبار الرواية نفسها، عن طريق القرائن الموجودة في أسنادها، بغض النظر عن اعتبار الرواة وعدم اعتبارهم.

المنهج الأول لتصحيح زيارة عاشوراء

الرواية الأولى

روى الشيخ في المصباح عن محمّد بن خالد الطيالسي عن سيف بن عميرة قال: خرجت مع صفوان بن مهران الجمّال، وعندنا جماعة من أصحابنا إلى الغري بعدما خرج أبو عبد اللهعليه السلام فسرنا من الحيرة إلى المدينة، فلمّا فرغنا من الزيارة صرف صفوان وجهه ناحية أبي عبد الله الحسينعليه السلام، فقال لنا: تزورون الحسينعليه السلام من (هذا) المكان من عند رأس أمير المؤمنينعليه السلام.
ومن ها هنا أومأ إليه أبو عبد الله الصادقعليه السلام وأنا معه، قال: فدعا([1]) صفوان بالزيارة التي رواها علقمة بن محمّد الحضرمي عن أبي جعفرعليه السلام في يوم عاشوراء، ثم صلّى ركعتين عند رأس أمير المؤمنينعليه السلام وودّع أمير المؤمنينعليه السلام، وأومأ إلى الحسينعليه السلام منصرفاً بوجهه، وودّع وكان فيما دعا في دبرها: >يا الله يا الله يا الله، يا مجيب دعوة المضرّين إلى آخر الدعاء والزيارة<([2]).

سند الرواية:

(سيف بن عميرة النخعي) ثقة. قاله النجاشي، والشيخ في الفهرست وابن شهرآشوب، والعلامة.
و(صفوان بن مهران) ثقة وثّقه النجاشي.
وأما محمّد بن خالد الطيالسي، وطريق الشيخ إليه ففيهما كلام، سوف نستعرضه إن شاء الله.

طريق الشيخ إلى محمّد بن خالد الطيالسي:

في طريق الشيخ أبي جعفر الطوسي إلى محمّد بن خالد الطيالسي يقع أحمد بن محمد بن يحيى.
يقول الشيخ في الفهرست في ترجمة محمّد بن خالد الطيالسي: له كتاب رويناه عن الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمّد بن يحيى عن أبيه عن محمّد بن عليّ بن محبوب عنه([3]).
وقد انتهى الأُستاذ السيّد الخوئي(ره) في كتابه الكبير (المعجم) إلى جهالة الرجل. لعدم ورود توثيق فيه([4]).
ولكن المشهور كما يصرح به الأُستاذ(ره) هو الإعتماد عليه.
وقد وثّقه العلامة(ره) في الفائدة الثامنة من خاتمة الخلاصة، ووثّقه الشهيد الثاني في الدراية، وكذلك السماهيجي والشيخ البهائي.
وكتب أبو العبّاس السيرافي إلى النجاشي في تعريف طرقه، إلى كتب الحسين بن سعد الأهوازي فقال: فأمّا ما عليه أصحابنا والمعوّل عليه ما رواه عنهما: >الحسين والحسن ابنا سعيد الأهوازيان<. فذكر طريقين، وفي الطريق الثاني يقع أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار...
وهذا كلام ظاهر في توثيق الرجل، وان شكّك سيّدنا الأُستاذ(ره) في دلالته على التوثيق بـ (أن ذلك إنّما يتم لو كان الطريق منحصراً برواية أحمد بن يحيى لكنه ليس كذلك، بل أن الكتب المعول عليهما قد ثبتت بطريق آخر صحيح... ولعلّ ذكر الطريق الآخر إنّما هو لأجل التأييد)([5]).
ولكنه خلاف الظاهر من كلامه.
فإن¬ّ ظاهر كلام السيرافي: إن¬ المعول عليه من كتب (الحسين والحسن ابني سعيد الأهوازيين) هو ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى (الطريق الأوّل) وأحمد بن محمّد بن يحيى العطّار القمّي (الطريق الثاني)... وإليك نص كلام النجاشي وكلام السيرافي:
يقول النجاشي(ره) في ترجمه الحسين بن سعيد بن حماد بن مهران في تسمية كتب الحسين وأخيه الحسن بن سعيد... يقول: أخبرنا بهذه الكتب غير واحد من أصحابنا... منها ما كتب إليَّ به أبو العبّاس أحمد بن عليّ بن نوح السيرافي(ره) في جواب كتابي إليه يقول: (والذي سألت تعريفه من الطرق إلى كتب الحسين بن سعيد الأهوازي رضي الله عنه. فقد روى أبو جعفر أحمد بن خالد البرقي، والحسين بن الحسن بن أبان، وأحمد بن محمد.. إلى أن يقول: فأمّا ما عليه أصحابنا، والمعوّل عليه ما رواه عنهما أحمد بن محمّد بن عيسى، أخبرنا الشيخ الفاضل أبو عبد الله الحسين بن عليّ ابن سفين (سفيان) البزوفري فيما كتب إليَّ في شعبان سنة (352 هـ) قال: حدّثنا أبو عليّ الأشعري أحمد بن إدريس بن أحمد القمّي، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسين بن سعيد بكتبه الثلاثين كتاباً...
وأخبرنا أبو علي أحمد بن يحيى العطّار القمّي قال: حدّثنا أبي وعبد الله بن جعفر الحميري وسعد بن عبد الله جميعاً عن أحمد بن عيسى)([6]).
وهو كلام ظاهر في توثيق أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار القمّي.
فإنّ السيرافي يقول إنّ تعويلهم (أي أصحابنا) وتعويله هو في تسمية هذه الكتب بهاتين الروايتين، وفي إحداهما يقع أحمد بن محمد بن يحيى العطّار... وهو كما ذكرنا كلام ظاهر في المطلوب.

ولكن سيّدنا الأُستاذ(ره) يناقش مع ذلك في دلالة هذه الرسالة على توثيق الرجل، فيقول:
(ويردّه:
      أوّلاً : ما عرفت من أن اعتماد القدماء على رواية شخص لا يدلّ على توثيقهم إيّاه، وذلك لما عرفت من بناء ذلك على أصالة العدالة التي لا نبني عليها.
      وثانياً: إن ذلك إنّما يتم لو كان الطريق منحصراً برواية أحمد بن محمّد بن يحيى، لكنه ليس كذلك. بل أن تلك الكتب المعوّل عليها قد ثبتت بطريق آخر صحيح، وهو الطريق الأوّل الذي ينتهي إلى أحمد بن محمّد بن عيسى. ولعلّ ذكر طريق آخر إنّما هو لأجل التأييد) ([7]).

والإيرادان الواردان في كلام سيّدنا الأُستاذ(ره) موضع تأمّل وتوقف.

الإيراد الأوّل:

أما الإيراد الأوّل فإنّ التعويل على رواية، إخبار عن توثيق الرواة بالملازمة، فلا يصح التعويل من غير الوثوق إلاّ أن يثبت خلافه، بالاعتماد في التعويل على أصالة العدالة، وهذا إخبار من قبل أصحابنا، ومن ناحية ابن نوح بتوثيق الرواة الذين ورد ذكرهم في هذين الطريقين.
فإنّ الظاهر من التعويل هو التوثيق، واحتمال أن يكون التعويل والاعتماد قائماً على أصالة العدالة لا التوثيق لا يعتنى به ما لم يعلم بذلك... ولا شكّ أن مثل هذا العلم منتفٍ في المورد.
كما أن الظاهر من التوثيق هو الإعتماد على الحس أو الحدس القريب من الحسن، وليس على الحدس والاجتهاد، كما يقول سيّدنا الأُستاذ نفسه(ره) في مقدمة كتابه، حيث يقول:
(قلنا إنّ هذا الاحتمال لا يعتنى به بعد قيام السيرة على حجّية خبر الثقة فيما لم يعلم أنّه نشأ من الحدس، ولا ريب في أنّ احتمال الحس في إخبارهم، ولو من جهة نقل كابر عن كابر وثقة عن ثقة موجود وجداناً)([8]).
نعم إذا عرفنا من شخص أن اعتماده على راوٍ، يبتنى على أصالة العدالة... عندئذٍ لا نأخذ باعتماده وتعويله. وأنّى لنا مثل هذا العلم؟
وكيف، ومعظم ما لدينا من التوثيقات من القدماء رحمهم الله في الفهارس والرجال والتراجم... وقد بلغ كتب القدماء في التوثيق والتجريح إلى عهد الشيخ(ره) نيفاً ومائة كتاب، كما يظهر من الشيخ والنجاشي رحمهما الله.
ولو كان دأب القدماء (أو غالبهم) اعتماد أصالة العدالة في التعويل والاعتماد على الرواة لم يكتب القدماء هذا العدد الكبير من كتب التوثيق والتجريح، وما الحاجة إلى مثل هذا لجهد الكبير في التوثيق؟
يقول الشيخ(ره) في (العدّة) في آخر فصل (في ذكر خبر الواحد):

وممّا يدل أيضاً على صحة ما ذهبنا إليه: إنّا وجدنا الطائفة ميّزت الرجال الناقلة لهذه الإخبار، فوثّقت الثقات منهم، وضعّفت الضعفاء، وفرّقت بين من يعتمد على حديثه وروايته وبين من لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم، وذمّوا المذموم. وقالوا فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب، وفلان مختلط في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي، وفلان فطحي وغير ذلك من الطعون التي ذكروها.
وصنفوا في ذلك الكتب واستثنوا الرجال([9]) من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم، حتى أن واحداً منهم إذا أنكر حديثاً نظر في إسناده وضعف بروايته هذه عادتهم على قديم الوقت وحديثه)([10]).
هذه كلمات الشيخ(ره) عن دأب الطائفة في التعامل مع الرواة على أساس التوثيق، ورغم أن كلام الشيخ(ره) ليس في هذا السياق، إلا أنه واضح وصريح في أن منهج القدماء هو التحرّي والتوثيق، وليس البناء على أصالة العدالة، كما يقول سيّدنا الأُستاذ قدّس الله نفسه.
ويقول الشيخ(ره) أيضاً في (العدّة):
(فأمّا ما اخترته من المذهب فهو أن¬ّ خبر الواحد إذا كان وارداً من طريق أصحابنا.. وكان ممّن لا يطعن في روايته ويكون سديداً في نقله.. جاز العمل به..
إلى أن يقول: حتى أن واحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه: من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه سكتوا وسلّموا الأمر في ذلك وقبلوا قوله. وهذا عادتهم وسجينهم من عهد النبيexcaim ومن بعده من الأئمةعليه السلام، ومن زمن الصادق جعفر بن محمّدعليه السلام، الذي انتشر العلم عنه، وكثرت الرواية من جهته) ([11]).
هذا صريح كلام الشيخ(ره)، وهو شيخ القدماء، وهو صريح في أن التعويل والاعتماد في الفتاوى والروايات على الموثوق من الروايات والرواة، وبغير ذلك لا تصح الفتاوى، ولا يسكتون عنها، ثم يصرّح بأن هذا ديدنهم في أحاديث رسول اللهexcaim ومن بعده من الأئمة، وأحاديث الصادق جعفر بن محمدعليه السلام إلى عهد الشيخ. ولو كان المتقدّمون رحمهم الله يعوّلون على الراوي بناءً على أصالة العدالة، إذا ثبت إيمانه، ولم يثبت عليه طعن لما صحّ هذا الكلام كلّه.
ويقول الحر العاملي (ره) في خاتمة الوسائل في الفائدة التاسعة في الوجه الرابع عشر: فانّ أجابوا بأصالة العدالة، أجبنا بأنه خلاف مذهبهم، ولم يذهب إليه منهم إلاّ القليل. ومع ذلك يلزمهم الحكم بعدالة المجهولين والمهملين، وهم لا يقولون به، ويبقى اشتراط العدالة بغير فائدة([12]).
وبناءاً على ذلك فإنّنا نعتمد تعويل القدماء واعتمادهم على الرواة، ونعتقد أن الظاهر من الاعتماد والتعويل هو التوثيق.
ولا شكّ أنّنا نعمل بتوثيق القدماء ممّن كان في عصر السيرافي ابن نوح، كما نعمل بتوثيقات الشيخ(ره) والنجاشي. وقد كان ابن نوح في عصر النجاشي، وموضع ثقة النجاشي، يعتمده ويراسله ويطلب منه التعريف بالرجال والكتب([13]).

الإيراد الثاني:

وأما الإيراد الثاني الذي أورده الأُستاذ(ره) على دلالة كلام ابن نوح على توثيق أحمد بن محمّد بن يحيى: (أن ذلك إنّما يتم لو كان الطريق منحصراً برواية أحمد بن محمّد بن يحيى، لكنه ليس كذلك... إلخ).

أقول: هذا هو الظاهر من كلام ابن نوح وغيره خلاف الظاهر.. فلو قال أحد: إنّه يعوّل على خبر ما برواية فلان وفلان، فإن¬ّ الظاهر من الكلام هو أن كلاً من الروايتين والراويين موثوقان عنده... وأنّه يعوّل فيه على كلّ واحد منهما بانفراد واستقلال.
والمرجع في هذا الظهور هو العرف العام للناس في التحاور... وهذا العُربْ ببابك.
ومع قيام هذا الظاهر فلاشكّ أنّ الناس لا يعبأون بالاحتمالات المخالفة للظاهر، ويردونها بالظاهر، ولو كنّا نأخذ بالاحتمالات المخالفة للظاهر، لم يسلم لنا ظاهر في التحاور بين الناس. وقد أمضى الشارع هذا الأُسلوب الذي يجري عليه الناس في محاوراتهم اليومية.
وبناءً عليه فإنّ كتاب ابن نوح السيرافي إلى الشيخ النجاشي ظاهر في توثيق أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار القمّي.
وهذا هو الذي اختاره المحقّق الشيخ عبد الله المامقاني(ره); قال(ره): في ترجمة أحمد بن يحيى العطّار القمّي.
وممّا يشير إلى جلالة الرجل ما كتبه ابن نوح إلى النجاشي في جواب كتابه الذي سأله فيه تعريف الطرق إلى ابن سعيد الأهوازي (الحسن والحسين):
(أمّا ما عليه أصحابنا والمعوّل عليه ما رواه عنهما أحمد بن محمّد بن عيسى... إلى أن قال: وحدّثنا أبو علي أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار القمّي، قال حدّثنا... الخ)([14]).
وبذلك يسلم لنا طريق الشيخ(ره) إلى محمّد بن خالد الطيالسي، الذي يقع في سلسلة سند زيارة عاشوراء.

محمّد بن خالد الطيالسي

وأمّا محمّد بن خالد الطيالسي فلم يرد فيه ذم وجرح من أحد من القدماء والمتأخرين، على الإطلاق.
وقد روى عنه جملة من أجلاّء أصحابنا مثل محمّد بن علي بن محبوب، وعلي بن الحسن بن فضال، وسعد بن عبد الله، وحميد بن زياد، وهم جميعاً من ثقاة الأصحاب.
قال الشيخ في الفهرست: (محمّد بن خالد الطيالسي له كتاب رويناه عن الحسين بن عبيدالله، عن أحمد بن محمّد بن يحيى عن أبيه عن محمّد بن علي بن محبوب عنه).
وقال عنه الشيخ في الرجال، في من لم يرو عنهمعليه السلام : محمّد بن خالد الطيالسي، روى عنه حميد أصولاً كثيرة([15]).
وحميد هذا هو حميد بن زياد، وثّقه الشيخ في الفهرست والنجاشي والعلامة وابن شهرآشوب... وقد عرفت اهتمام حميد به وروايته عنه أصولاً كثيرة.
وهذا يحقّق من دون ريب مرتبة من مراتب (الحسن) الذي يبعث في النفس الاطمئنان إلى رواياته.
يقول المحقّق المامقاني في ترجمته:
(وظاهرها كونه إمامياً، ويمكن اتصافه بأدنى درجات الحسن باعتبار رواية الأجلّة عنه)([16]).

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار هاتين النقطتين نستريح إلى الأخذ برواياته.
النقطة الأُولى: عدم ورود أي تجريح أو طعن فيه في الفهارس وكتب الرجال.
والنقطة الثانية: رواية الأجلاّء عنهم من الذين عُرفوا بالوثاقة وشهدت بوثاقتهم المدوّنات الرجالية. ومنهم مَن عُرف عنه أنّه قلّ ما يروى عن الضعفاء مثل: علي بن حسن الفضال، فقد قالوا أنّه لم يرو عن أبيه ومثل محمّد بن علي بن محبوب الذي يقول عنه الكشّي (ثقة، عين، فقيه). وسعد بن عبد الله الذي صرّح الشيخ بوثاقته.
وأمّا حميد بن زياد فقد روى عنه، كما يقول الشيخ أ¬ُصولاً كثيرة... وقد وثّقه كما قلنا الشيخ والنجاشي والعلامة وابن شهرآشوب.
وهذه النقطة وتلك تجعل الإنسان يستريح إلى رواياته، ويطمئن إلى أن الرجل لم يكن وضّاعاً أو مخلطاً، وإلاّ لم يكن يأخذ برواياته الأجلاّء الموثقين من الرواة المتقدّمين.
وقد قال المحقّق(ره) في ترجمة السكوني أن كثرة الرواية عنه من قِبل الأصحاب إمارة على وثاقته([17]). وإذا توقفنا في دلالتها على الوثاقة، فلا أقلّ من الدلالة على حسنه وقوّته.
وقد كان القدماء من أصحابنا الأجلاّء يحترزون عن الرواية عن الضعفاء والمخلطين مباشرة ومن غير واسطة... نعم كانوا يتسامحون في الرواية عنهم بالواسطة... وكانوا يرون في الرواية عن الضعفاء مثلبة([18]).
ومهما يكن من أمر فإنّا نستريح إلى روايات محمّد بن خالد الطيالسي في زيارة عاشوراء وغيرها، بناءً على هاتين النقطتين، ونرى أنّهما يكفيان في التحسين، إن لم يكفيا في التصحيح، والعمل بالروايات الحسان أمر شائع معروف مقبول عند علمائنا كالصحاح، بناءً على تقسيم العلامة وشيخه أحمد بن طاووس رحمهما الله.
                                                                                * * *


الرواية الثانية لزيارة عاشوراء

روى الشيخ أبو جعفر الطوسي في المصباح بسنده عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن صالح بن عقبة وسيف بن عميرة عن علقمة بن محمد الحضرمي عن أبي جعفر الباقرعليه السلام.
أقول: أمّا محمد بن إسماعيل بن بزيع فقد قال عنه النجاشي: من صالحي هذه الطائفة وثقاتهم. وقال عنه الشيخ: ثقة، صحيح وطريق الشيخ إليه صحيح.

يقول أُستاذنا الخوئي عن طريق الصدوق إليه: والطريق صحيح كطريق الشيخ، وان كان في بعضها ابن أبي جيد([19]).
وأمّا صالح بن عقبة فهو مجهول لم يرد فيه توثيق.
و(سيف بن عميرة) النخعي ثقة. قاله النجاشي، والشيخ في الفهرست.
وعلقمة بن محمد الحضرمي من أصحاب الإمام الباقر والصادقعليه السلام. له موقف مع زيد بن عليexcaim يرويه الكشّي، يدل على حسن حاله. لم يرد في توثيقه شيء.
فالسند تام، إذن، إلا من ناحية الصحابي (علقمة بن محمد)، ولا يضر وجود صالح بن عقبة في السند لوجود سيف بن عميرة معه.
ولكن الرواية الأُولى المتقدمة عن الشيخ لزيارة عاشوراء، وهي رواية صفوان بن مهران الجمال تشهد بصحة رواية علقمة.
فان سيف بن عميرة يقول: (إنّ صفوان دعا بالزيارة التي رواها علقمة بن محمد الحضرمي عن أبي جعفرعليه السلام في يوم عاشوراء) كما تقدّم.
وهي تدل على صحة رواية علقمة في هذا السند. ولا إشكال في بقية رجال السند، ولا في طريق الشيخ إلى محمد بن إسماعيل بن بزيع.
بل هذه الرواية التي يرويها الشيخ في المصباح عن محمد بن خالد الطيالسي عن سيف بن عميرة عن صفوان ما يدل على جلالة شأن (علقمة بن محمد)... فقد ورد في آخر الرواية: إنّ صفوان لما قرأ عليهم دعاء الزيارة، قال له سيف بن عميرة: (إنّ علقمة بن محمد الحضرمي لم يأتنا بهذا عن أبي جعفرعليه السلام، إنّما أتانا بدعاء الزيارة) فقال صفوان وردت مع سيدي أبي عبد اللهعليه السلام... إلخ وكأنّ سيف بن عميرة يقول لصفوان إن كان هذا الدعاء وارداً بعد الزيارة لرواه لنا علقمة بن محمد... وهو يدل على درجة عالية من وثوق سيف بن عميرة برواية علقمة بن محمد الحضرمي، فيشرح له صفوان انه سمع هذا الدعاء من أبي عبد الله الصادقعليه السلام مباشرة.
وكيفما كان فإنّ اعتبار رواية الطيالسي يؤدي إلى اعتبار السند الثاني الذي يذكره الشيخ في المصباح لزيارة عاشوراء ودعائها.
                                                                             * * *


المنهج الثاني لتصحيح زيارة عاشوراء

في مقدمة هذه المقالة قلت إنني أتحدث في تصحيح زيارة عاشوراء من خلال منهجين:
المنهج الأول: إثبات اعتبار سند الرواية بقدر الإمكان، ولهذه الرواية خمسة طرق إلى أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق عليهما السلام، وقد أثبتنا اعتبار رواية الشيخ الطوسي عن محمد بن خالد الطيالسي.
والمنهج الثاني إثبات صدق الرواية بالقرائن الموجودة في إسنادها حتى على افتراض عدم ثبوت اعتبار الرواة، ولا منافاة بين نفي الاعتبار من الرواة وصدق الرواية.
إذن الفرق بين المنهجين إننا نتحدث عن وثاقة واعتبار الرواة في المنهج الأول، وعن صدق الرواية في المنهج الثاني.

والآن نتحدث عن المنهج الثاني لتصحيح الزيارة.

الاستبعاد:

وقبل أن ندخل المنهج الثاني، لأننا نستعمل كلمة (الاستبعاد) في هذا المنهج بصورة متكررة لابد من توضيح لهذه الكلمة والعلاقة بينها وبين (الاطمئنان).
الاطمئنان حالة نفسية متاخمة للعلم، ويتعامل معها العقلاء معاملة (العلم)، ولأن الشارع لم يلغ هذا الاعتبار العقلائي يكون الاطمئنان حجة كالعلم، ويترتب عليه ما يترتب على العلم من الحجية.
ومعنى الاطمئنان هو ركون النفس إلى ثبوت شيء.
وبخلافه (الاستبعاد) فهو بمعنى ركون النفس إلى انتفاء احتمال الخلاف إلى حدود متاخمة للصفر، بحيث لا يعبأ به العقلاء ويلغونه من الحساب في مقام العمل، فهما وجهان لقضية واحدة.
الاطمئنان هو ركون النفس إلى ثبوت شيء.
والاستبعاد هو ركون النفس إلى انتفاء احتمال الخلاف.
وهما متلازمان.
فإذا دخلنا إلى بناية مشيّدة قوية البنيان نطمئن إلى حالة الأمن والسلامة في البناء إلى حدود متاخمة للعلم، ونستبعد حدوث الخطر إلى حدود متاخمة للصفر، بناءً على حساب الاحتمالات وهو حساب علمي عقلائي يبني عليه العقلاء ويرتبون عليه الأثر إيجاباً وسلباً.

ولا إشكال أنّ الركون إلى انتفاء احتمال الخلاف. يختلف عن حالة العلم بالانتفاء، ولكن العقلاء يتعاملون معه معاملة العلم بانتفاء احتمال الخلاف، وهو بمعنى إلغاء احتمال الخلاف في مقام العمل.
وكل منهما حجة عند العقلاء وعند الشارع.
أما الحجية العقلائية، فلأن العقلاء يتعاملون معهما معاملة العلم بالثبوت والعلم بانتفاء احتمال الخلاف.
وأمّا الحجية عند الشارع، فلأن الشارع لم يلغ هذا الاعتبار العقلائي فيهما معاً، وعدم الإلغاء في أمثال هذه الموارد بمعنى الإمضاء، فهو بمثابة العلم عند الشارع ويترتب عليه ما يترتب على العلم من الحجية.

تحديد موضوع البحث:

لسنا أمام مسألة فقهية، فليس في زيارة عاشوراء حكم فقهي .
ولا مسألة عقائدية... ولو كانت مسألة عقائدية لم ينفعنا خبر الواحد، إلاّ إذا كان محفوفاً بقرائن توجب القطع أو الاطمئنان.
ولسنا بصدد أن نعرف النص الكامل الصحيح الصادر عن الإمام أبي جعفرعليه السلام فان إضافة كلمة أو نقصانها أو جملة، لا تخلّ بالزيارة، وتحصل بها الزيارة، كما هو الشأن في اختلاف النسخ في سائر الزيارات والأدعية، وليس ذلك بمانع لنا أن ندعو الله تعالى بها أو نزور بها المعصومين عليهم السلام، ما لم تدخلنا الزيادة في بدعة أو مخالفة للكتاب والسنة، وما لم تكن النقيصة مخلّة بالغاية من الزيارة.
وليس في زيارة عاشوراء شيء من ذلك، وأما مسألة اللعن، فلا يوجد في النص الذي يرويه ابن قولويه (رحمه الله)، وأما ما ورد من ذلك في "المصباح" فقد عالجه المؤلف (حفظه الله) بطريقة أخرى وتتبع النسخ الخطية له، فلم يجد فيها هذه الجملة.
وعليه فان المسألة المهمة عندنا في هذا البحث أن نعرف هل أنّ نص الزيارة الواردة في كامل الزيارات ومصباح المتهجد مجعول أم لا؟
ولمعرفة هذه المسألة لابد أن نحصر الأشخاص الذين يمكن أن نتّهمهم بالوضع والجعل ممن ورد ذكره في أسناد هذه الرواية لدى الشيخين ابن قولويه وأبي جعفر الطوسي رحمهما الله.
فنقول أمامنا طرق خمسة إلى هذه الزيارة من خلال استعراض أسناد هذه الزيارة في كامل الزيارات والمصباح، واليك هذه الأسناد:

أسناد الزيارة عند الشيخ الطوسي رحمه الله

1- محمد بن إسماعيل بن بزيع ـ صالح بن عقبة ـ عن أبيه ـ عن أبي جعفر الباقر عليه السلام.
2- محمد بن إسماعيل بن بزيع ـ (صالح بن عقبة + سيف بن عميرة) ـ علقمة بن محمد الحضرمي ـ أبي جعفر الباقرعليه السلام.
3- محمد بن خالد الطيالسي ـ سيف بن عميرة ـ صفوان الجمال ـ أبي عبد الله الصادقعليه السلام.

إسناد الزيارة عند ابن قولويه رحمه الله

4- حكيم بن داود وغيره ـ محمد بن موسى الهمداني ـ محمد بن خالد الطيالسي ـ (سيف بن عميرة + صالح بن عقبة) ـ علقمة بن محمد الحضرمي ـ أبي جعفر الباقر عليه السلام.
5- حكيم بن داود ـ محمد بن موسى الهمداني ـ (محمد بن خالد الطيالسي + محمد بن إسماعيل) ـ صالح بن عقبة ـ مالك الجهني ـ أبي جعفر الباقر عليه السلام.

الرواة الذين لم يرد توثيقهم في هذه الأسناد الخمسة هم:

1- صالح بن عقبة.
2- (والد صالح) عقبة بن قيس بن سمعان بن أبي ذبيحة.
3- علقمة بن محمد الحضرمي.
4- محمد بن خالد الطيالسي.
5- محمد بن موسى الهمداني.
6- مالك الجهني.
وهؤلاء لم ترد على أي منهم تهمة الجعل والوضع والكذب عدا (محمد بن موسى الهمداني).
ومع ذلك نحن ننطلق في هذه المطالعة الجديدة لأسناد زيارة عاشوراء من منطلق افتراض أنّ كل واحد من هؤلاء الستة يمكن أن يكون عاملاً في انتحال هذه الزيارة... لنرى هل يصح هذا الافتراض أم لا.
وإذا ثبت امتناع هذا الافتراض أو استبعاده إلى حدود الامتناع العادي في جميعهم أو جملة منهم تثبت بذلك صحة الزيارة... وإذا انتهينا إلى إمكان هذا الافتراض توقفنا عن تصحيح الزيارة بهذا المنهج واكتفينا بالمنهج الرجالي المتقدم في إثبات صحة زيارة عاشوراء.


السند الأول والثاني

أقول : في السند الأول من الأسناد الثلاثة التي يذكرها الشيخ أبو جعفر رحمه الله لزيارة عاشوراء لا يمكن أن نتهم صالح بن عقبة بالوضع لان صالح يروي الزيارة بالاشتراك مع سيف عن علقمة في السند الثاني، فإنّ محمد بن إسماعيل يروي الزيارة في السند الثاني عن صالح وسيف جميعا عن علقمة، ولا إشكال في وثاقة الراوي والمروي عنه وهما (محمد بن إسماعيل وسيف) وصالح شريك سيف في الرواية عن علقمة والتحديث بها لمحمد بن إسماعيل.
فلماذا ينتحل هذه الرواية، وقد سمعها حقا عن علقمة.

ولا ريب في أن صالحا قد سمع الرواية التي يرويها علقمة عن الإمام الباقر، حتى لو اتهمناه بالوضع، إذ من الممتنع أن ينتحل هذه الزيارة، وهو لم يسمعها من علقمة مباشرة أو بواسطة، ثم يتطابق النص الذي انتحله، بعد فترة مع النص الذي يرويه علقمة عن أبي جعفر الباقرعليه السلام.
وإذا كان الأمر كذلك فإن انتحال هذا النص عمل عبث، لا داعي إليه، ولماذا يكذب (صالح) وينتحل وله طريق حقيقي إلى رواية الزيارة عن علقمة بلا واسطة أو بواسطة. فلابد أن نصحح هنا رواية صالح، ونصدّقه في روايته، وثقناه أم لم نوثقه.
وأما أبوه، وهو عقبة بن قيس بن سمعان بن أبي ذبيحة فمن المستبعد جداً تواطؤه مع سائر الرواة الذين رووا هذه الرواية عن أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق(عليهما السلام) على انتحال هذه الزيارة بصيغة واحدة وهم أربعة على الأقل وهم (والد صالح)، وعلقمة بن محمد الحضرمي، ومالك الجهني، عن أبي جعفر عليه السلام وصفوان عن الإمام الصادقعليه السلام.
من المستبعد جداً أن يتفقوا على انتحال نص بالكامل ثم ينسبوه إلى أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام.
نعم، قضايا الانتحال كثيرة، ولكننا لا نعرف جماعة يتواطئون على انتحال نص ونسبته إلى مصدر معين. ولو صح ذلك لكان أمراً خطيراً للغاية، وبمعنى وجود عصابات في سلاسل الرواة يتفقون على انتحال النصوص وينسبونها إلى المعصومين عليهم السلام ويتواطئون على روايتها عنهم.
ولو كان كذلك لافتضح أمرهم، وشهّروا بهم وأسقطوهم... ومن غير الممكن اختفاء أمرهم على حفاظ الحديث وشيوخ الرواية وأصحاب الجرح والتعديل، الحريصين على ودائع النبوة والإمامة، ومن غير الممكن السكوت عنهم وعدم التحذير من رواياتهم...

إنّ احتمال قيام تواطؤ بين نفر من المحدثين بصياغة نصوص موحّدة في الأدعية والزيارات وغيرهما مثلا، ونسبتها إلى المعصومين والتحديث بها أمر في غاية الاستبعاد.
وعليه، فإننا إذا وجدنا أنّ (علقمة بن محمد الحضرمي) و(عقبة بن قيس بن سمعان بن أبي ذبيحة) و(مالك الجهني) و(صفوان بن مهران) يروون نصاً واحداً، باختلافات يسيرة عن الإمامين أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، لا نحتمل أنّهم قد تواطئوا على ذلك.
ولو كان يحصل شيء من هذا القبيل في زيارة عاشوراء من خلال شبكة منظّمة متواطئة على الوضع والجعل والانتحال بصورة جمعية لم يقتصر أمرهم على زيارة عاشوراء، ولتوسّعوا في الجعل والوضع في الفقه والتفسير والعقائد والأدعية والزيارات، ولو وقع شيء من هذا القبيل من خلال مجموعة متواطئة من الرجال في أسانيد الأحاديث لافتضح أمرهم بالضرورة، ولكثر التحذير منهم، والتشهير بهم، والتسقيط لهم من خلال علماء الجرح والتعديل، الحريصين على ودائع الوحي والنبوّة.

السند الثالث

وأما السند الثالث في المصباح الذي يتصدره محمد بن خالد الطيالسي، برواية الشيخ عنه فقد عرفتم رأيي في اعتبار رواياته. ولكن من غير الممكن التشكيك في روايته هذه، حتى بناءً على الرأي الآخر، وهو سلب الاعتبار عن رواياته... لا يمكن اتهامه بوضع هذه الرواية على لسان سيف بن عميرة، كما في السند الثالث، فان سيف بن عميرة يروي هذه الرواية حقاً عن علقمة بن محمد عن الإمام أبي جعفرعليه السلام، كما في السند الثاني، وهو ثقة في روايته...
فان كان محمد بن خالد الطيالسي لا يعلم برواية سيف بن عميرة للزيارة، عن علقمة، عن الإمام أبي جعفر عليه السلام، فوضع هذه الزيارة فتطابقت تماماً مع النص الذي يرويه سيف بن عميرة ـ من باب الصدفة ـ فهو يكاد يكون مستحيلاً ممتنعاً، لاستحالة أن يضع محمد بن خالد الطيالسي نصاً ينسبه إلى سيف بن عميرة، ويصادف أنّ سيف بن عميرة يروي نفس النص بالتمام عن علقمة عن أبي جعفرعليه السلام، ومحمد بن خالد لا يعرف بذلك... وإن كان يعلم برواية سيف للزيارة عن علقمة ثم يبادر إلى وضعها على لسان سيف ـ بنفس الألفاظ، في سند آخر ـ فهو أمر غير عقلائي جداً. ولا داعي إلى ذلك غير تكثير طرق الزيارة وهو سبب ضعيف جداً، لا يعبأ به العقلاء.في محاوراتهم وإخباراتهم اليومية.
ولو كان محمد بن خالد الطيالسي بهذه المثابة من الاستهانة بأمر الوضع والجعل والإقدام على الوضع بأدنى سبب لاشتهر أمره بين أرباب الجرح والتعديل... وقد عرفنا أنّ الرجل لم يرد فيه أي جرح من ناحية أي مصدر من المصادر الرجالية... وعليه فلا سبب يدعو إلى التوقف عن قبول رواية محمد بن خالد الطيالسي في السند الثالث الذي يذكره الشيخ أبو جعفر، وسائر رجال السند موثوقون، وقد نصّ الأصحاب على وثاقتهم.

السند الرابع والخامس

وفي السند الرابع والخامس من كامل الزيارات يُتَّهمُ محمد بن موسى الهمداني، وهو متهم بالوضع، ولكننا نستبعد حسب المنهجية السابقة أن يكون قد عمد إلى انتحال نص هذه الزيارة على لسان محمد بن خالد الطيالسي ومحمد بن إسماعيل بن بزيع) ([20])، فان محمد بن إسماعيل بن بزيع يروي هذا النص عن (صالح بن عقبة وسيف بن عميرة جميعاً) عن علقمة والسند فيما عدا الصحابي تام...
ومحمد بن موسى الهمداني مطلع بالتأكيد على النص الذي يرويه محمد بن إسماعيل عن صالح وسيف جميعاً عن علقمة لتطابق النصين في كثير من فقراتهما (وان اختلفا في بعض الفقرات).
ومن الممتنع عادة أن لا يكون محمد بن موسى مطلعاً على هذا النص، فيضع نصاً على لسان (محمد بن خالد ومحمد بن إسماعيل)، متطابقاً مع النص الذي يرويه محمد بن إسماعيل، صدفة. وهذا أمر مستبعد جداً إلى حدود الامتناع العادي.
وإذا قبلنا أن محمد بن موسى الهمداني كان مطلعاً على رواية محمد بن إسماعيل بواسطة أو من غير واسطة فليس هناك من داع إلى انتحال الرواية... فمن الممكن أن يرويها عنه بواسطة أو من غير واسطة. إلاّ أن تكون غايته تكثير طرق النص، وهو أمر بعيد جداً، إلاّ أن استبعادنا هنا أخف من استبعادنا ذلك في رواية محمد بن خالد الطيالسي.
وأما (مالك الجهني) الذي يروي نص الزيارة عن الإمام الباقرعليه السلام، فنقول على نفس المنهجية التي تحدثنا عنها من قبل في تصديق رواية علقمة، إننا نستبعد جداً تواطؤ هؤلاء الثلاثة (عقبة بن قيس بن سمعان بن أبي ذبيحة) و(علقمة بن محمد) و(مالك الجهني) على انتحال رواية عن الإمام الباقرعليه السلام. وقد عرفنا أنّ في رواية سيف بن عميرة عن صفوان تصحيح وتأكيد لرواية علقمة عن الإمام الباقرعليه السلام.

وقد نحتاج إلى إعادة تقرير لهذا الكلام.
فنقول: ليس بين أيدينا أكثر من حالتين ممكنتين ثبوتاً وسائر الحالات افتراضات ضعيفة جداً، والاحتمالان الممكنان ثبوتهما أن يتواطأ الراويان أو يتواطأ الرواة على انتحال نص في الدعاء أو الزيارة أو حكم شرعي أو حدث تاريخي وغير ذلك... وهذا الاحتمال وإن كان ممكناً ثبوتاً ولكنه مستبعد جداً إثباتاً.
فلو كان شيء من هذا القبيل يحصل في طرقنا ورواياتنا لما أمكن التكتم به، ولاشتهر أمره في كتب الجرح والتعديل، وبادر علماء الرجال والجرح والتعديل إلى التشهير بهم وتسقيطهم، ولا يمكن السكوت عنه. ولا يمكن التكتم به.
وعليه، فإن عدم تصريح علماء الرجال من المتقدمين والمتأخرين بحالات من أمثال ذلك يساوق عدم وجوده. أي عدم الثبوت يساوي ثبوت العدم.

والاحتمال الآخر أن ينفرد كل واحد منهم بوضع النص، فيتطابق النصّان أو النصوص صدفة... وهذا الاحتمال بموجب حساب الاحتمالات، أبعد من الاحتمال الأول، حتى مع وجود اختلاف يسير بين النصوص، كما في زيارة عاشوراء بين النص الذي يرويه ابن قولويه في الكامل والنص الذي يرويه الشيخ في المصباح.
أما سائر الاحتمال فهي ضعيفة جداً أو يؤول أمرها أخيراً إلى واحد من هذين الاحتمالين اللذين حكمنا عليهما بالاستبعاد بمعنى إلغاء احتمال الخلاف رأساً عند العقلاء وفي الشرع .

                                                                             * * *

أما بعد، فلسنا نريد بهذه الروايات إثبات مسألة فقهية ، ولا نريد بهذه الروايات إثبات مسألة عقائدية، فان المسائل العقائدية لا تثبت بخبر الواحد، إلاّ أن يكون محفوفاً بقرائن تورث الاطمئنان إلى صحة الخبر.
ولا نريد بهذه الروايات أن ننفي حصول أي زيادة أو نقص في النص، فلا تضر الزيادة أو النقيصة في الأدعية والزيارات ما لم تكن النقيصة مخلّة بغايات النص، وما لم تكن الزيادة مؤدية إلى بدعة أو أمر على خلاف الكتاب والسنة.
وما أكثر الزيادة واختلاف النسخ في نصوص الأدعية والزيارات عندنا، ومع ذلك نتعبّد ونتقرّب بها إلى الله تعالى.
والنقائص والزيادات الموجودة في نسخ زيارة عاشوراء بين روايتي ابن قولويه في (الكامل) والروايات الثلاثة للشيخ في (المصباح) ليست من هذا القبيل عدا تخصيص الخمسة باللعن في نص (المصباح)، دون النص الذي يرويه ابن قولويه في (الكامل)... وقد أثبت المؤلف حفظه الله أن هذه الفقرة لم تكن في نسخة الأصل من المصباحين الصغير والكبير، وإنما أضيفت إلى المصباح فيما بعد، وقد قام المؤلف بجهد واسع في هذا المجال، واطّلع على عدد كبير من النسخ الخطية للمصباحين فلم يجد فيها هذه الفقرة، وقد وثق هذا البحث بصورة علمية.

أقول: وعليه فان الغاية في الدراسات السندية لأمثال هذه النصوص إثبات أنّ النص، ليس منتحلاً بالكامل كالزيارة المفجعة ودعاء (حُبّى) ودعاء (كنز العرش) على ما يذكره المحدث الشيخ عباس القمي رحمه الله في مفاتيح الجنان، حيث يشكو بمرارة من انتحال الأدعية والزيارات.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ بعض ما ذكرنا هنا يكفي للاطمئنان إلى أنّ النص الذي يرويه علقمة وغيره من الأصحاب في زيارة الحسينعليه السلام يوم عاشوراء، قد ألقاه وأملاه الإمام الباقرعليه السلام، بل والصادقعليه السلام أيضاً على أصحابهم وشيعتهم في زيارة الحسينعليه السلام يوم عاشوراء، وليس بمزور ولا منتحل ولا موضوع.
نعم، رأيت في بعض كتابات المحقق العاصر الشيخ التستري رحمه الله، ولا أذكر الآن أين: أن هذا العالم المحقق يسجل ملاحظة وتوقفاً فيما يرويه علقمة بن محمد الحضرمي من الثواب لهذه الزيارة، وأنا أوافقه على هذا التوقف، ولكن ذلك ليس بمعنى التشكيك في نصّ الزيارة والتوقف فيها.

والمؤلف حفظه الله، وإن عقد فصلاً لمناقشة الشهرة التي يستند إليها البعض في إثبات صحة هذه الزيارة([21])... ولكن من المؤكد أن هذه الزيارة قد شاعت شياعاً واسعاً في أجواء المؤمنين يتوارثونها جيلاً بعد جيل، ويواظب عليها علماء الطائفة، ولم تكن تخفى عليهم الملاحظات التي ذكرها المؤلف حفظه الله ولم يتهيبوا للناس في نفيها، إلاّ أنهم كانوا لا يعبئون بهذه الملاحظات لسببين:
السبب الأول: النقاط التي أوردتها في هذه المقالة على تلك الملاحظات.
والسبب الآخر: عدم جدوى إثارة التشويش حول هذه المسائل، ما لم تتضمن بدعة في الدين أو مخالفة للكتاب والسنة.
وقد علمنا أن هذه الزيارة لا تتضمن شيئاً من ذلك... لولا الملاحظة التي ناقشها المؤلف بتفصيل، بل خصص لها أغلب صفحات كتابه. 
                                                                             * * *
على إننا إذا تجاوزنا ذلك كله في النقطة الأولى والثانية... فقد وردت روايات صحيحة، من دون شك في استحباب زيارة الحسينعليه السلام مطلقاً، وفي يوم عاشوراء بصورة خاصّة، من دون التقييد بنصّ خاص.
ومن ذلك ما يرويه الصدوق في عيون أخبار الرضا والأمالي، والمجلسي في البحار 98: 102:
ماجيلويه، عن علي، عن أبيه، عن الريان بن شبيب (خال المعتصم).
قال: دخلت في أول يوم من المحرم على الرضاعليه السلام... إلى أن يقول:
(يا ابن شبيب، إن سَرّك أن تلقى الله عز وجل ولا ذنب لك فزر الحسين عليه السلام)، والرواية صحيحة.
ومنه: ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارة، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن زيد الشحام، عن أبي عبد اللهعليه السلام، قال: (من زار قبر الحسين بن علي عليهما السلام يوم عاشوراء، عارفاً بحقه، كان كمن زار الله في عرشه)([22]).

وزيارة عاشوراء المعروفة واحدة من مصاديق زيارة الحسينعليه السلام، فهي مشمولة لما ورد في الروايات المطلقة من الأجر والثواب، ومستحبّة ويصح التعبد بها، كأي نصّ آخر، إلاّ أن يكون في النص ما يخالف الكتاب وما صحّ من السنّة الشريفة. وليس في زيارة عاشوراء شيء من ذلك.
والتحقيق الواسع الذي أجراه المؤلف في النصّ الذي يرويه الشيخ في المصباح شاهد على ذلك.
فليس من سبب للتوقف في استحباب هذا النصّ وإيجابه للأجر والثواب الذي يبتغيه المؤمنون منه.
والحمد لله رب العالمين
ونسأل الله تعالى التسديد والتوفيق.


                                                           محمد مهدي الآصفي
                                                              النجف الأشرف
                                                          في 10 صفر 1430هـ

-------------------------------------------------------------------------

(1) يعني طلب صفوان الزيارة التي رواها علقمة. ويمكن أن تكون (دعا) بمعنى زار تجوزاً، أو لما في زيارة عاشوراء من الدعاء، ولكن المعنى الأوّل أظهر.

(2) مصباح المتهجد : 718، الطبعة المدققة من قبل الأنصاري الزنجاني (حجرية)، بحار الأنوار 101: 296 ـ 300.

(3) الفهرست رقم 634.

(4) معجم الرجال 16: 70 الطبعة الثانية.

(5) نفس المصدر ونفس الموضع.

(6) رجال النجاشي : 44 ، النسخة المطبوعة على النسخة الحجرية بقم (الداودي) بمقدّمة الشيخ اليوسفي .

(7) معجم الرجال 2: 329 الطبعة الثانية.

(8) معجم الرجال 16: 70 الطبعة الثانية.

(9) قال العالم المحقق خليل بن الغازي القزويني في شرح (واستثنوا الرجال): أي التصانيف التي رواها الرجال مثل ما روي عن ابن الوليد أنه قال ما تفرد به محمّد من كتب يونس لا يعتمد عليه.

(10) العدة للشيخ الطوسي 1: 366 بشرح القزويني وتحقيق الشيخ محمد مهدي نجف ، ط. مؤسسة آل البيتعليه السلام.

(11) العدة : 337 ـ 338 بشرح القزويني ، مؤسسة آل البيتعليه السلام.

(12) وسائل الشيعة 20: 102.

(13) ومن ذلك ما ذكره الشيخ النجاشي(ره) في ترجمة أحمد بن عيسى حيث ينقل عن ابن نوح كتبه فيروي له ابن نوح كتبه، وفي سند ابن نوح أحمد بن محمّد بن يحيى أيضاً ، راجع رجال النجاشي : 60 الطبعة المتقدمة.

(14) تنقيح المقال 2: 95 الطبعة الحجرية.

(15) رجال الشيخ: 499 (في مَن لم يرو عن الأئمةعليه السلام رقم 54.

(16) تنقيح المقال 3: 114 الطبعة الحجرية.

(17) مقباس الهداية للمحق المامقاني (ملحق بكتاب الرجال: 78 ط حجرية).

(18) لقد نصّ النجاشي بأنّه يتجنّب الرواية عن الضعفاء في مواضع من كتابه. منها قوله في ترجمة أحمد بن محمّد بن عبيدالله بن عياش: رأيت هذا الشيخ وكان صديقاً لي ولوالدي، وسمعت منه شيئاً كيراً ورأيت شيوخنا يضعّفونه فلم أرو عنه شيئاً وتجنبته وكان من أهل العلم والأدب القوى. (رجال النجاشي: 63 الطبعة السابقة).

وقال في ترجمة محمّد بن عبد الله بن عبيد الله بن البهلول ما لفظه: وكان في أوّل الأمر ثبتاً ثمّ خلط ورأيت جلّ أصحابنا يغمزونه ويضعّفونه... إلى أن يقول: رأيت هذا الشيخ وسمعت منه كثيراً، ثم توقفت عن الرواية عنه إلاّ بواسطة بيني وبينه. (رجال النجاشي: 282).

وهذه النقطة وإن كانت من خصائص الشيخ النجاشي(ره) وبعض أصحابنا، إلاّ أنّها تعكس لنا عن منهجيّة الثقاة والرواة الأجلاّء من القدماء في التحرز عن الروايات عن الوضّاعين والضعفاء والمخلطين... وقد يذهب بعض إلى وثاقة مشايخ الثقاة مطلقاً، إلاّ من يثبت له خلافها.

وهذا مبني ضعيف، بلا شك، ولكن عدم توقف ثقاة الرواة عن الرواية عن شخص، وإكثار الرواية عنه يكشف عن حسن حال الراوي... وهذا المقدار يكفي في الرواية عنه، إلاّ أن يثبت خلافه بدليل ، والشواهد على ذلك عديدة في الرواة.

يقول السيد محسن الأعرجي الكاظمي في كتابه (عدة الرجال) في الأمارات على الوثاقة: ومنها كثرة تناول الأجلاّء منه وروايتهم عنه، بل إكثار الجليل المستخرج فی روايته عنه. (عدة الرجال 134 ط).

(19) معجم الرجال 15: 100.

(20) نحن نحتمل ما يرجّحه المؤلف حفظه الله ان مقصود الشيخ ابن قولويه من قوله وكذلك محمد بن إسماعيل، عطف محمد بن إسماعيل على محمد بن خالد الطيالسي نظراً لتناسب الطبقة بينه وبين محمد بن خالد الطيالسي وعدم تناسب الطبقة بينه وبين الشيخ ابن قولويه.

(21) لا يحضرني الكتاب الآن وأنا في سفر لمناقشة أفكار المؤلف حفظه الله في الشهرة.

(22) كامل الزيارات، وبحار الأنوار 98: 103.





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد

آية الله الشيخ الآصفي


ارسل لصديق