هل نحن شعوبٌ حرّة ؟
كتبه: سماحة السيد جعفر فضل الله
حرر في: 2009/08/24
التعليقات: 0
القراءات: 1900
يعاني عالمنا العربي والإسلامي من الأنظمة الاستبداديّة، ومن عدم تداول السلطات في أكثر بلداننا، حتّى لم تعد تُقاس مدد الحُكم بالسنوات، بل بالعقود؛ وإن سمح العمر، فبأرباع القرن أو أنصافه.

يعاني عالمنا العربي والإسلامي من الأنظمة الاستبداديّة، ومن عدم تداول السلطات في أكثر بلداننا، حتّى لم تعد تُقاس مدد الحُكم بالسنوات، بل بالعقود؛ وإن سمح العمر، فبأرباع القرن أو أنصافه.
ويحلو لنا دائماً أن نُلقي باللائمة على الخارج الذي يُطبق بثقله السياسي والأمني والمخابراتي، وأخيراً الاحتلالي، على بلادنا، فيغطّي تلك الأنظمة، ويفرضها رغم "إرادات" الشعوب، وكأنّنا بذلك نبرّر استقالتنا من مسؤوليّاتنا تجاه أنفسنا ومجتمعاتنا، وحاضرنا ومستقبلنا.

نعم ، ليس من شكّ أنّ هناك شقّاً خارجيّ في أزمة الحرّيات والأنظمة الاستبداديّة في عالمنا العربي والإسلامي، وهو يفرض علينا أن نواجهه، ولا ندع المحتلّ والمستعمر أن يرتاح في بلادنا، وعلى قضايانا.. لكنّ هناك شقّاً داخليّاً في الأزمة، وذلك أنّنا شعوب تعيش مشكلتين :

الأولى : أنّنا شعوبٌ غير مؤمنة بموقعها من قضاياها ومصائرها، ومن مستقبلها الذي هي معنيّة به، لنفسها وللأجيال.
الثانية : أنّنا شعوبٌ لم نُربَّ على التوازن في استخدام الحرّية، حتّى تستحيل الحرّية في كثير من حركة الشعوب مرادفةً للفوضى، وتُصبح أيّ حركة احتجاجيّة مناسبةً لتنفيس الغضب والتحطيم في مقدّرات الشعب نفسه، التي لم تكن ولن تكون ملكاً لشخص الحاكم أو الملك أو الأمير.
والمشكلة الأولى تُغري الحكّام بسحق الشعوب تحت نعال أطماعهم ومصالحهم الذاتيّة، ويقلّ عند أعتاب قصورهم منسوب احترام الناس، وتُختزل كلّ الآراء برأي صاحب القصر؛ فهو الذي يفكّر عن الناس جميعاً، وهو الذي يقرّر عنهم، وهو الذي يرسم طريق مستقبلهم، وهو الوحيد الذي يملك عقلاً عبقريّاً يزن البلاد والعباد.
والمشكلة الثانية تبرّر للأنظمة إبقاء القمع سيّد الدساتير، وقوانين الطوارئ هي القاعدة لا الاستثناء؛ لأنّ الحرّيات ـ في طريقتنا في استخدامها ـ تعني الفوضى، ولا يرضى أحد بالفوضى، فيغدو عندها الاستبداد أهون الشرور..

لعلّ المشكلة تبدو في ذلك تربويّة؛ لأنّنا لو تأمّلنا في كلّ دوائرنا الاجتماعيّة، من العائلة واتّساعاً إلى الوطن، لرأينا أنّنا قمعيّون في أساليبنا، إلغائيّون في حركتنا، لا نربّي في العائلة أولادنا كيف يثقون بأنفسهم، وكيف تُحترم آراؤهم، وكيف يستخدمون حرّيتهم، وكيف يؤكّدون حقوقهم، وكيف يكونون فاعلين في وجودهم، مُشاركين في المجتمع من حولهم، وكذلك في المؤسّسة والحزب وغير ذلك من دوائر.
والطامّة الكُبرى أنّ شعوبنا لم تعتد على أن تنتقل من الفكرة إلى الفعل، ومن الأمانيّ إلى تحريك الإرادات على أرض الواقع؛ ولذلك ليس صحيحاً أنّ حاكماً ما قد يستطيع أن يتربّع على عرش التسلّط رغم إرادات الشعوب؛ لأنّ تلك الإرادات لن تكون عندئذٍ كذلك، وإنّما ستكون مجرّد أفكار لم ترقى لتكون إرادة؛ لأنّ إرادات الشعوب هي نتيجة لجُملة من المواقف تبدأ عند الثقة بالنفس وبالحقّ، وبعدم الرضوخ للأمر الواقع، بل إنّ فعل التغيير يكاد يسبق عندها فكرته، حتى تكاد أن تكون أمّة تعمل بصمتٍ.

فلنكن أمّة العمل، لا أمّة الكلام؛ وأمّة الإرادة، لا أمّة الأمانيّ؛ وأمّةً تحترم نفسها في مصافّ الأمم. ولنبدأ من بيوتنا، وعندئذٍ نكون قد حقّقنا للتغيير شروطه الأولى، وقد قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾  ؛ والله من وراء القصد.





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد


ارسل لصديق