المنبر الحسيني بين مسئوليتي الخطاب والتلقي
كتبه: العلامة الشيخ حسين المصطفى
حرر في: 2009/09/15
التعليقات: 0
القراءات: 2784
إنّ إخواننا المؤمنين من أصحاب الحسينيات والمموِّلين لها، يتحملون المسؤولية الإسلامية في تحريكها في خطِّ الوعي الإسلامي الرسالي الولائي الذي يجمع المسلمين المؤمنين .

هل نكبرُ بالقضية الحسينية بالآفاق والروح والفكر لنخرجها من دائرة الزمن المحدود لنحركها في الأبعاد المترامية، أو أننا نصغرها لندخلها في كل أساليب الضعف التي فرضت نفسها على العقل والقلب والحركة والحياة ؟!

إذا أردنا أن نكبر بها، فإنّ علينا أن لا نفصلها عن جذورها، لنجعلها مجرد حادثة مفصولة عن حركة الإسلام في الواقع، بحيث تغيب المسيرة الإسلامية في كل خطوطها ومفاهيمها وحركيتها وانفتاحها على الإنسان.

نحن إذن أمام عدة مسؤوليات أجملها في ما يلي:

أولاً: دور المنبر الحسيني: 

يعد المنبر الحسيني منبر الإسلام الأصيل ، في نشر ثقافته بالحكمة والموعظة الحسنة، وتأصيل مفاهيمه وإبعاده عن أفكار التخلف والغلوِّ والخرافة، وإصلاح ما فسد في الواقع الإسلامي على الصعيد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي، وإثارة الوعي لدى المسلمين أمام التحديات الموجهّة إليهم للسيطرة على مقدراتهم ومواقعهم من قبل التحالف العالمي، وإبراز النهضة الحسينية كحركة إنقاذ للواقع الإسلامي كله بعيداً عن النزعات القومية والعرقية والإقليمية ، وعن الطائفية المذهبية، وعن العصبيات الحزبية والمرجعية ونحوها، ما يمزق وحدة الأمة ويجعل بأسها بينها وإشغالها بالهوامش الجزئية، بدلاً من أن يكون بأسها موجهاً إلى أعدائها، وتقديم الصورة المشرقة لأبطال كربلاء، ولا سيما الإمام الحسين عليه السلام ، والسيدة زينب عليها السلام بالصورة الرسالية المشرقة البعيدة عن الضعف والخذلان وروح الهزيمة ، ليعرف الناس فيها روح القوة والعزيمة والتحدي في مجابهة الطغيان بكل صلابة ، ولقد قال أئمة أهل البيت عليهم السلام في حديثهم عن المنبر الحسيني ورسالته أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا(وليس لأهل البيت عليهم السلام أمرٌ إلا الإسلام الأصيل في المنهج الذي خطوّه ونهجوه في الشكل الحضاري المنفتح على قضايا الإنسان في كل زمان ومكان . 

ولم يكن لأهل البيت أي اهتمام بالجانب الذاتي لشخصياتهم المقدسة، بل انصبّ اهتمامهم على الجانب الإسلامي في حركيتهم الفاعلة في خط الإمامة التي تمثل الامتداد الحركي للرسالة الذي انطلق فيه الرسول الأكرم excaim وقد جاء عن الإمام الباقر عليه السلام : ( من كان وليّاً لله فهو لنا وليّ ، ومن كان عدواً لله فهو لنا عدو، والله ما تنال ولايتنا إلا بالورع ) .

ثانياً: مسؤولية أصحاب الحسينيات: 

     إنّ إخواننا المؤمنين من أصحاب الحسينيات والمموِّلين لها، يتحملون المسؤولية الإسلامية في تحريكها في خطِّ الوعي الإسلامي الرسالي الولائي الذي يجمع المسلمين المؤمنين ، ولا سيما أتباع أهل البيت excaim ولا يفرقهم ، ويفتح عقولهم على الفكر الإسلامي الواعي ولا يغرقهم في أوهام التخلف ، ويؤصل لهم العقيدة الإسلامية الإيمانية، ولا يدفع بها إلى الغلوِّ والخرافة وذلك باختيار الخطباء الرساليين الواعين الأتقياء الذين لا يثيرون الفتنة ولا يستغلون غرائز العوامّ ، ولا يلعبون بعواطف الناس طلباً للانجذاب إليهم بدلاً من أن يوجهّوا هذه العواطف باتجاه المفاهيم الرسالية .

إنّ الله يحمّلهم مسؤولية هذه المواقع، فإذا أحسنوا إدارتها واختيار الأشخاص الصالحين لها، أعطاهم الله خيراً وثواباً عظيماً ، وإذا لم يحسنوا في ذلك فإنهم يتحملون وزر كل السلبيات الناشئة من ذلك على الأمة ، وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : ( اتقوا الله في عباده وبلاده ، فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم ) .

ثالثاً: مسؤولية خطباء المنابر الحسينية: 

يتطلب من أصحاب المنابر أن يثقفوا أنفسهم وأن يطرحوا العناوين الحسينية للنهضة أكثر من طرحهم المأساة الحسينية، وليس معنى ذلك أنّنا نتنكر للمأساة فإنه لا بد أن تبقى الفكرة الحسينية مغسولة بالعاطفة ؛ فإنّ البكاء يعكس الارتباط القلبي بأهل البيت وسيد الشهداء عليهم السلام والدموع تروي القلب وتزيل الظمأ وهي حصيلة محبة أهل البيت عليهم السلام، ومن الطبيعي التعاطف الروحي مع الأئمة يستوجب مشاركتهم في حزنهم وفي فرحهم ، ومن علامة الشيعة أنهم : ( يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ) ، ولكن علينا أن نعرف كيف نستخدم أساليب العاطفة ، لأنّ أساليب العاطفة تتطور مع الزمن، ولذلك يمكن أن تكون بعض الأساليب متوارثة منذ مئة سنة وربما كانت مفيدة في حينها ولكنها أصبحت الآن مضرة:

1- لا بد من أن يكون هناك تجديد في الأساليب، وخاصة الشعر الحسيني ؛ لأنّ هذا الشعر قد نظم من خلال بيئات سابقة كانت تحاول أن تصوّر القضية الحسينية بطريقة تتناسب مع تقاليد وذهنيات ذلك العصر، ونحن نحتاج إلى شعر حسيني ، سواء كان شعبياً أو قريضاً ، يتناسب مع المرحلة التي نعيشها ومع ذهنيات الشباب والجيل المعاصر في إثارة العاطفة.

2- نحتاج إلى تنقية المضمون بإبعاد الخرافة عن السيرة الحسينية ، فالبعض يحاول دائماً أن يقدم السيرة بشكل خرافي جداً وربما خارق للتصور أو مناف للعقل والمنطق لإثارة العاطفة، ولذا نحتاج إلى أن نوثق الأحاديث بنحو لا تتحدث إلى ما تتسابق العقول إلى تكذبيه، فلو كان لدى الخطيب ذوق أدبي وكان عنده فن أدبي وكان يستطيع أن يطرح الأشياء الصحيحة في عاشوراء ويصورها تصويراً فنياً وأدبياً مؤثراً فإنّه يمكن أن يجعل الناس يبكون من دون إضافة أشياء أخرى من غير الحق. ألم نقرأ روايات أو نشاهد أفلاماً ليس لها علاقة بعقيدتنا ولا بتاريخنا ولا بحياتنا ونبكي عند مشاهدتها ؟

3- إنّ العاطفة لها أسلوب خاص، فيجب أن تعرف كيف تحرك العاطفة بحيث يستشعر الإنسان الحزن ويعيش القضية حية حارة ، ما يخلق لديه وعياً ولا يخلق تخلفاً. ولذلك فقد أصبح المنبر الحسيني يحتاج إلى ثقافة من أعمق ومن أوسع الثقافات، فلا يكفي أن يحفظ الخطيب بعض القصائد ليرددها على مسامع الناس الذين فيهم المثقفون وفيهم أناس من مذاهب أخرى ومن أديان أخرى، فلا يجوز أن نأتي بأشخاص جهلة متخلفين لقراءة مجالس الحسين ، لأننا بذلك نقوم بتشويه صورة الإسلام من حيث لا نقصد، فالكثير من الخطباء مخلصون لكن تعوزهم الثقافة التي تجعلهم بمستوى مهمتهم .

عليهم أن يتعاملوا مع الخطابة الحسينية كرسالة إسلامية لا كمهنة للعيش فقط، ولذلك فلا بد من أن تتوفر عندهم الثقافة الإسلامية بطريقة علمية واسعة عميقة منفتحة على تطورات الذهنية المعاصرة في أساليبها وقضاياها وتطلعاتها، لأنّ لكل عصر ذهنيته التي يخاطب أهله من خلالها، ولكل جيل ثقافته، فلا بد لهم من أن يحدِّثوا الناس بقدر عقولهم، مع التدقيق في دراسة الواقع الحاضر مقارناً بالواقع الذي كان في عهد الثورة الحسينية، لأنّ الإمام الحسين عليه السلام انطلق لتكون رسالته في إصلاح أمة جده excaim بما عرض لها من فساد في عصره ، فعلينا إذا كنا نؤكد رسالته في امتداد الزمن ، أن نقوم بإصلاح الأمة مما عرض لها من الفساد في الواقع. فإنّ التاريخ ليس مسؤوليتنا الحركية، بل هو للدرس والعبرة، ولاستيحاء القضايا التي تبقى منه للحياة ، بل الحاضر هو مسؤوليتنا التي قد تأخذ من الماضي بعض العناصر الأصيلة لتخطط للمستقبل.

فعلى الخطباء أن يدرسوا الواقع الإسلامي في تمزقاته ، ولا يزيدوه تمزقاً بإثارة الخلافات ، وإذا أردوا أن يتحدثوا عن قضايا الخلافات الإسلامية الكلية، فليحاولوا أن يأخذوا بالمنهج القرآني في الوقوف عند الكلمة السواء، والجدال بالتي هي أحسن، والحفاظ على وحدة الأمة.

إننا مسؤولون جميعاً عن الأمة كلها، لا سيما في ظروف المرحلة الخطيرة التي ينطلق فيها الاستكبار العالمي بكل قواه من أجل إضعاف الأمة الإسلامية، والإجهاز على كل مواقع القوة فيها، وعلينا أن نتحمل مسؤولية ذلك كله.

وعليهم أن يحافظوا على التحدث إلى الناس بالصدق في الرواية، وذلك بتوثيقها، فلا يكن الهمُّ كله استنزاف الدمعة وإثارة العواطف على حساب الحق، وقد قال الإمام الصادق عليه السلام لبعض أصحابه : ( إنك أخذته بالحق والباطل وقليل الحق يكفي عن كثير من الباطل ) .

إنّ علينا أن نبقي العاطفة في أسلوب عرض المأساة الكربلائية ، ولكن الواجب علينا أن نعمل على أن تكون العاطفة صادقة لنثقف الناس بالحقيقة لا بغير الحقيقة .

رابعاً: دور الجمهور الحسيني :

عليهم أن يكونوا جمهور الوعي الإسلامي الذي يشجع الخطباء الرساليين الذين يحرِّكون خطابهم في توعية الناس بالحق لا بالباطل، وبالوحدة لا بالتفرقة، وبالمحبة لا بالبغضاء، وبالفكر الأصيل لا بالفكر المتخلف.. لقد كان أهل البيت excaim قمة الوعي الحضاري ، فلتكن المجالس الحسينية مجالس الحضارة الإسلامية الواعية، حتى نسمح لها بالامتداد في الأجيال المعاصرة والقادمة، ولا تسمحوا بكل مظاهر التخلف التي تؤدي إلى هتك المذهب مما توارثه الناس من عادات وتقاليد متخلفة. 

إنّ المجالس الحسينية ليست مجرد مواقع لتحصيل الثواب ، بل هي مواقع لتحصيل الثقافة الإسلامية والروحية الولائية الأصيلة . 

 كونوا جمهور الحسين عليه السلام الذي هو جمهور الإسلام الأصيل، الذي يحمل رسالة الإسلام لتكون قاعدةً للفكر والعاطفة والحياة، ولذلك فإنّ عليكم اختيار الخطيب الرسالي الواعي الوحدويّ الذي تستمعون إليه، وقد جاء في الحديث المأثور: ( من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدي عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان ) .

خامساً: دور المرأة وعاشوراء: 

إنّ المرأة هي إنسان كما أنّ الرجل إنسان، وقد كانت عاشوراء هي عاشوراء المرأة وعاشوراء الرجل، وكان الحسين عليه السلام وكانت إلى جانبه زينب excaim ، وكان علي عليه السلام وكانت إلى جانبه سيدتنا فاطمة الزهراء excaim ، وكان النبي excaim وكانت إلى جانبه سيدتنا خديجة excaim ، لقد كانت المرأة في مواقع الإسلام جنباً إلى جنب مع الرجل .

ونحن نعرف أنه في عهد الدعوة الأول كانت النساء يقمن بالدعوة ، كما كان الرجال يقومون بالدعوة





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد

العلامة الشيخ حسين المصطفى

- الشيخ حسين بن علي المصطفى
- ولد في القلعة بالقطيف عام 1382 هـ (1962م)
النشأة والدراسة :
ـ تلقى دراسته الأولية (الابتدائي والمتوسطة والثانوية) في مدارس القطيف.
ـ هاجر إلى قم المقدسة في عام 1402 هـ ودرس في حوزتها، وهاجر إلى النجف الأشرف في عام 1407 هـ ودرس في حوزتها بضعة أشهر، وهاجر ثالثاً إلى قم المقدسة في عام 1416 هـ ورجع إلى بلده في عام 1419 هـ.
درس المقدمات على يد: الشيخ إبراهيم الغراش ـ السيد منير الخباز - الشيخ محمد علي المعلم ـ الشيخ عباس العنكي ـ الشيخ محسن المعلم.
ودرس السطوح على يد: الشيخ محسن المعلم ـ الشيخ عباس العنكي ـ السيد منير الخباز.
ودرس البحث الخارج على يد: السيد كاظم الحائري ـ السيد أحمد المددي ـ الشيخ محمد الرحمتي ـ الشيخ هادي آل راضي النجفي ـ الشيخ حسين النجاتي.

المهنة والعمل:
عالم دين فاضل، وإمام جماعة، وكاتب وباحث.

العنوان:
القطيف ـ الناصرة (أ) ـ ص . ب 61012


الأعمال والنشاطات:
ـ امّ صلاة الجماعة في مسجد الإمام الخوئي بالقطيف سنين طويلة .
ـ محاضر في المحافل العامة.
ـ قام بتدريس العديد من الكتب الحوزوية في النحو، وأصول العقيدة، والمنطق، والفقه، والأصول، وفقه الحديث، والرجال.
ـ انتخب في عام 1416 هـ ليكون أستاذاً مساعداً في الجامعة العالمية بلندن من قبل سماحة الدكتور الحجة الشيخ عبد الهادي الفضلي، ولكنه رفض لتهيئه للسفر إلى إيران لإكمال دراسته العليا.
ـ أحد محرري مواد الموسوعة الإسلامية الكمبيوترية بقم المقدسة.
ـ أحد مؤسسي دار المصطفى (ص) لتحقيق التراث بقم المقدسة .

الجدير بالذكر أنّ الكاتب الشيخ حسين علي المصطفى قد كتب العديد من المؤلفات هي :
1- همدان القبيلة والولاء .
2- الحرمان الشريفان، دراسة موجزة ـ (طبع).
3- الغضب، دراسة سيكولوجية معرفية موضوعية في التراث الإسلامي ـ (طبع).
4- أسرار العبادات ـ (طبع).
5- أضواء على معالم المدينة المنورة وتاريخها - (طبع).
6- مصادر البحث عن القطيف والقطيفيين ـ طبع ـ.
7- ثقافتنا الجنسية بين فيض الإسلام واستبداد العادات (ط2).
8- مطارحات في الدين والفكر والمجتمع - القسم الأول -(طبع).
9- الزواج المؤقت بين المشروعية والانحراف (طبع).
10- مناسك الحج (طبع).
11- في آفاق الدين والحياة (مجموعة محاضراته ومقالاته).
12- في أصول العقيدة (دروس مكتوبة).
13- حاشية على منطق المظفر.
14- حاشية على أصول الفقه.
15- حاشية على الحلقة الأولى من أصول الشهيد الصدر.
16- أعلام الشيعة في منطقة الحرمين.
17- كتابات منثورة ( في الفقه، والرجال ، والتراجم، والتاريخ، والأدب ).
18- مشروع شرح وسائل الشيعة للحر العاملي (بحوث مكتوبة) نفذ منه الجزء الأول بقلم أحد تلامذته .
19- علوم الحديث بين النظرية والتطبيق( دروس مكتوبة ).
20- فلسفة العبادات ( ط 2 ) .
21- ملامح المنهج التربوي في النهضة الحسينية .

• سيصدر قريباً :
1 - معجم فقه المناسك في خمسة مجلدات ( يعد للطباعة ).
2 - مطارحات في الدين والفكر والمجتمع - القسم الثاني - ( جاهز للطبع ).

2011/12/25 | أقلام ورؤى | القراءات:2874 التعليقات:0
2010/06/15 | فكر وثقافة | القراءات:1822 التعليقات:0
2009/10/15 | عقائدي | القراءات:1746 التعليقات:0
2009/09/15 | أنشطة وفعاليات | القراءات:1656 التعليقات:0
2009/09/11 | فقهي | القراءات:1813 التعليقات:0


ارسل لصديق