الخطاب الإسلامي التواصلي وشريحة الشباب
أزمة ثقة
كتبه: الشيخ حيدر حبّ الله
حرر في: 2009/08/25
التعليقات: 0
القراءات: 1789
الخطاب الإسلامي التواصلي هو ذاك الجانب من الخطاب الإسلامي الذي يعنى بفتح علاقات مع كيان بشري معين، وهذا معناه من الناحية الأولية انه خطاب يخضع لنظم العلاقات وحاجاتها، ومن ثم فلا يمكنه ان يتعالى عن طرفي العلاقة المفترضة

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ (159)
الخطاب الإسلامي التواصلي هو ذاك الجانب من الخطاب الإسلامي الذي يعنى بفتح علاقات مع كيان بشري معين، وهذا معناه من الناحية الأولية انه خطاب يخضع لنظم العلاقات وحاجاتها، ومن ثم فلا يمكنه ان يتعالى عن طرفي العلاقة المفترضة، وهما هنا: الإسلام من جهة، وشرائح المجتمع بمجموعها، أو بجماعاتها، من جهة أخرى.
ونظم العلاقات نظم خاصة لا تخضع لمجرد آليات اكتشاف الحقيقة، أو إنتاج المعرفة، وإنما تتخطى هذا الجانب لنقل تلك الحقيقة أو المعرفة الى طرف آخر، لإجراء تفاعل معه يهدف، في المحصلة الإيديولوجية الداخلية، الى إيصال فكرة أو ممارسة دور إقناعي في صددها.
وقد مثلت(الآليات)عناصر، كالمنبر لاسيما الحسيني والدروس الدينية المباشرة، ولو عن طريق معلوماتي متطور... الوسائل القديمة والجديدة لآليات الخطاب الإسلامي، وكانت هذه العناصر ولا تزال صاحبة دور فاعل ورئيسي في هذا الميدان.
ونتيجة تداعيات عديدة، ظهرت الى السطح مسافة فصلت ما بين الخطاب الإسلامي التواصلي وبين واحدة من شرائح المجتمع تكاد تكون أهمها، إلا وهي شريحة الشباب، بذكورها وإناثها، وتبدت ظواهر عديدة كشفت الى حد معين عن سوء علاقة بين الطرفين بلغت أحيانا حد القطيعة الكاملة.
وقد استدعى هذا الأمر، ولا يزال، الحاجة الى دراسة هذه العلاقة وقراءتها مرة ثانية، لاسيما من زاوية نقدية للخطاب التواصلي، كما فعل الغزالي والمطهري والشهيد الصدر ومغنية و د . شريعتي الخ...
1- أول إشكالية واجهت الخطاب التواصلي كانت إشكالية فهم شريحة الشباب، فحتى الآن هناك تيار، في الوسط الإسلامي، لم يدرك بعد طبيعة الشاب وتكوينه، لاسيما مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الحالية التي تحيط به وبتكونه، وقد أدى الجهل بالشباب الى ممارسات قمعية أحيانا زادت في الشاب نفسه عوامل القطيعة، والبعد عن الدين، بوصفه، في نظره، قطعة جامدة صلبة وجافة لا رحمة ولا عطف ولا حنان فيها.
ان استخدام خطاب مختمر، من الزاوية العقلية والمعرفية، مع شاب يسير في مراحل الاختمار والتكون، أدى الى أن يجد الشاب نفسه غير معني بذاك الخطاب، انه خطاب يعالج هموم غيره ومشكلاته، ولا يعالج ما يعانيه هو من هموم ومشكلات.
ان الإحساس الحقيقي، من جانب أرباب الخطاب التواصلي الإسلامي، بهموم الشاب ومعاناته هو ما يوفر الطريق لفتح علاقة معه،أما الاستهزاء بتلك الهموم بادعاء أنها مجرد أوهام صبيانية فلن يقدم خدمة لهذا الخطاب في علاقته بالشباب، وسيزيد الهوة الفاصلة بدل ان يردمها.
ويمثل القلق والرغبة في الاستقلال والجنس أهم هموم الشباب وأكثرها حساسية في محيطه العائلي والاجتماعي معا، ان الشاب قلق لأنه يحاول الشروع في رسم مسلسل حياته لمستقبل لا يعرفه، وهو أيضا بحاجة للاستقلال لكي يشعر بكيانه ويلتذ بذاته،الأمر الذي يخلق له مشكلات أسرية جادة، وهو كذلك في أوج نضوجه الجنسي... ذاك النضوج الذي يلاحقه مهما خفت صوت المؤثرات، انه إحساس ينبعث من أعماقه في يوم لا يترقبه حتى لو خمدت المؤثرات الى ابعد الحدود...، ان حاجة الشاب للاستقلال وإشباع الغريزة هو ما يسبب له القلق والاضطراب، لا سيما في ظل ظروف عائلية غير سليمة، أو في أجواء اقتصادية بالغة الحدة.
ولا تقف هذه الحاجات عند بداياتها، بل قد يتطور شعور القلق ليترجم إجراما أحيانا أو إدمانا أحيانا أخرى أو...، كما يتطور حب الاستقلال ليبلغ حالات من التهور التي لا يفعلها السوي في حالاته العادية، فيقدم الشاب على تصرفات لا يريد من ورائها سوى الشعور بالذات مهما بدت لنا من بعيد أمرا سلبيا، وهكذا إشباع الغريزة يتنامى في إفراط فينكشف عن مظاهر سلوكية شاذة قد يصعب وضع لجام لها في ما بعد.
إن محاولة تحليل الظواهر السلوكية، التي تبدو على شخصية الشاب، تحليلا عميقا ومدروسا، هو الذي يجعلنا قادرين على اكتشافه، ومن ثم إصلاح نقطة الخطأ أو ترشيدها بدل إهدار الذات في إصلاح مظاهر لا تعدو ان تتكيف وفاقا للظروف لتبرز على شكل نتوءات في مكان آخر من الشخصية.
وهذا يعني ان الخطاب التواصلي الذي يريد إصلاح الشباب لا يمكنه ان يحقق هدفه بخطاب موحد يوجهه الى الشباب نفسه، ويتبع فيه طريقة الخطاب المباشر المعتادة، وإنما يطالب بخطاب معني بالعائلة والمدرسة وغيرها، ما يؤدي دورا مهما في تكوين الشاب،ويكون هو المسؤول كثيرا عن انحرافاته.
2- وإذا ما تم اكتشاف الشاب وقراءة الوجه الآخر له، من دون مجرد المظاهر السطحية، ومن ثم تم فهم همومه والإحساس معه لا التعالي عليه وقمعه وممارسة تكبر وعجرفة أمامه.. أمكن، حينئذ، تفهم ظاهرة النقد والرفض التي يمارسها الشاب لاسيما في ظل ظروفنا الاجتماعية المعاصرة، وفي سياق تطور المعلوماتية.
ان الخطاب الذي يريد من الشباب ان يستمع فقط، وان يعبر بكلمة «نعم» عن كل ما يقال له.. هو خطاب واهم، ان الشباب اليوم آوهذه حقيقة يختلف حتى عن شباب الأمس القريب، فلم تعد الأمية كما كانت، ولم يعد المستوى الذهني والعقلي العام كما كانت عليه الحال قبل عقود، فضلا عن قرون، وهذا معناه ان الشاب السؤول بطبيعته سوف يمارس - على ضوء وعيه الجديد - حسا نقديا قويا قد يكون لاذعا ومفرطا بحكم الحيوية الهائجة التي تحكم الشباب نفسه.
وهذا ما يفرض علينا أولا: الإقرار بحق الشباب في السؤال والنقد، وثانيا: عدم سحب هذا الإقرار بسبب الضعف المعرفي الذي قد يبتلى به الشاب نتيجة عدم نضج الأفكار والتصورات عنده، الأمر الذي يؤدي ثالثا الى استيعاب الشباب بدل طردهم.
وإذا ما أضفنا حقيقة أخرى غدت ملموسة اليوم للجميع، وهي ان الدين والمفاهيم الدينية دخلت بالفعل سوق التداول العام حتى في بعدها النظري الذي كان في ما مضى حكرا على طوائف معينة... إذا أخذنا هذه الحقيقة، فسوف نفهم انه من الضروري إعداد خطاب معرفي حقيقي للشباب والتخلي عن الخطاب التلقيني الذي يفترض سلفا أمية الشباب وجهله، حتى لو لم يكن متخصصا في العلوم الدينية، لاسيما مع اعتقاد الشاب نفسه أحيانا بعدم كفاءة الطرف الآخر من الزاوية العلمية.
3- وإذا ما أدركنا الشاب وهمومه ومشكلاته، أدركنا أيضا ان انتظاره ليأتينا مجرد وهم زائف، قلما يتحول الى حقيقة ملموسة، ولهذا لا بد من الذهاب وراء الشاب لجذبه الى الدين، لا الجلوس في انتظار مجيئه إلينا، ليسألنا عن دينه، او يستفهمنا عن شرعية أعماله.
والإشكالية الأساسية التي تواجه الخطاب التواصلي، هنا، تكمن أحيانا في الشعور بالاستعلاء على الشاب، والأنفة من السير وراءه لتوجيهه برفق نحو الدين والقيم الإسلامية، ان هذا الشعور، علاوة على الإشكاليات الأخلاقية التي يختزنها، لا ينم عن وعي واقعي بمشكلة التبليغ والدعوة الى الله تعالى.
ان الاهتمام بالشباب وإحساسهم بأننا معهم نحميهم، ونريدهم، يعزز عندهم الشعور بالاستقلال والإحساس بالذات، انه يرضيهم، وهذا الرضا هو المؤشر المهم الذي يسمح لنا بالدخول الى أعماقهم من دون قلق أو وجل، فنحن لا نريد السيطرة عليهم بل نريد الرفق بهم ومداواتهم.
ولا يعني ذلك أبدا إننا الأكمل، أو إننا نمارس وصاية عليهم، ذلك ما يشمئز منه الشاب على الدوام، بل يعني ان نمارس منطق التعاون ومنطق نقل الخبرات والتجارب والمعرفة.
4- وإذا كان من الضروري السير خلف الشاب لمساندته وتوعيته إسلاميا، فهذا يعني ضرورة البحث عن النوافذ التي تربطنا به، لا تلك التي تربطه بنا وتوصله إلينا إذا أردنا، يجب ان نعرف كيف نصل نحن إليه لا كيف يصل هو إلينا فقط.
يمكن للشاب ان يطلبنا ربما في المساجد والمعاهد الدينية وفي أماكن الذكر والعبادة و... الأخرى، لكننا لن نجده إذا طلبناه هناك، ما يعني أننا مطالبون بسلوك الطرق التي سلكها، أي ان نصل إليه عبر وسائل الاتصال الجديدة من التلفزيون والإذاعة والانترنت والصحيفة الخ... وهذا ما يتطلب التعالي عن بعض الكبرياء الزائفة والاقتناع بان التواجد مع الشباب لهدايته، ولو في غير أماكننا التقليدية ليس عيبا يعاب عليه الإنسان ولا جرما يحاسب عليه، إذا ما أتقن الإنسان الظروف وراعاها بأقصى ما يمكن من الدقة والتحفظ، وإلا فقد لا نجد هذا الشاب ولا نراه في حياتنا أبدا.
5- وليس سلوك طريق أداتي هو الغاية، وإنما الغاية خطاب رحيم يرأف بالشاب ويأخذه في أحضان الإيمان والصدق، وكما ذكر فقهاؤنا الإعلامexcaim: ينبغي الرفق بمن نأمره بالمعروف وننهاه عن المنكر.
والرفق ليس كلمة تذكر على لسان أو تنادى في ميدان، وإنما هي سلوك أصيل يطالب الداعية الى الله بتمثله في حياته، ان الخطاب الذي يحمله أشخاص أجلاف قساة لا يرحمون ولا يرأفون لهو خطاب مصيره الموت، وهذه هي سيرة النبيexcaim والأئمةعليه السلام، لاسيما ما ورد عن الإمامين: الحسن والحسينعليه السلام لتدل بوضوح على الروح الرحيمة التي كانت بين جنبيهم (صلوات الله عليهم)، أما تلك الروح الجافة الصدئة فليس لها من آذان تستمع إليها وتصغي.
6- وهذا ما يستدعي أتقياء يحمون الأهل والبلد من الفساد والانهيار، تصان بهم الأرض من شرور الفسق والفجور، وتعم بهم روح الرحمة والرأفة والهداية والأبوية.
ان الفصل الدقيق ما بين «أشداء على الكفار» و«رحماء بينهم» هو أساس هذا المفهوم، ذلك ان بعضهم يقف احد موقفين: إما ان يعادي اغلب الناس حينما تجده يتعامل مع الجميع بشدة حتى لا تكاد البسمة تتعرف الى شفتيه، أو يصادق حتى عدوه الذي يستحق القتال فتراه طيعا قد لا يركن الى ركن حفيظ، وهذا الخلط هو ما يسبب أحيانا التعامل داخل الدائرة، مع الشباب المسلم، بشكل غير مناسب، الأمر الذي يؤدي الى فرارهم من الدين مع الأسف الشديد.
ويبقى القرآن الكريم هو الملهم لخطابنا التبليغي على الدوام، انطلاقا من قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم...) «آل عمران/159».





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد


ارسل لصديق