الخرافة بصفتها انحرافاً في العقل الإيماني الغيبي
كتبه: الشيخ نجف علي ميرزائي
حرر في: 2009/08/25
التعليقات: 0
القراءات: 2334
قلّما وجدتُ مفهوماً ملتبساً كمفهوم "الخرافة". وكذلك لم أجد ما يناظره ضمن الحيثيات الشائكة، والمتداخلة، والمتنوعة المنطلقات والنوازع، الموجود في ما سمي "العقل الخرافي". وهي التسمية التي يحلو للبعض

قلّما وجدتُ مفهوماً ملتبساً كمفهوم "الخرافة". وكذلك لم أجد ما يناظره ضمن الحيثيات الشائكة، والمتداخلة، والمتنوعة المنطلقات والنوازع، الموجود في ما سمي "العقل الخرافي". وهي التسمية التي يحلو للبعض إطلاقها على النزعة الانحرافية في الشخصية الفردية وفي الاجتماع، لعل المدقق في اللحاظات الكثيرة على هذه الكلمة سوف يجد أنها تعمّ المجالات التاريخية، والانتروبولوجية، والدينية، والثقافية، والنفسية، والاجتماعية، والمعرفية، وحتى السياسية. وسيتبيّن له أن لكل من هذه الأبعاد إسهاماته الواسعة في تكوين دلالاتها وتفاعل معناها. على أن هذه الدقة البالغة في ظروف التكوين والانطلاق، وأسباب وجود المعتقدات الموصوفة بالخرافة، هي التي كوّنت تراكماً هائلاً من الالتباس في حدود الدلالة العائدة إليها، مما يفرض على الباحث أخذ الحذر الشديد في دراسة الموضوع، واجتناب إصدار حكم ما، إلا بعد تأنِ وتعمّق. غير أن الالتباس المشار إليه، أمر حاصل بفعل جريان النسبية، وامتناع الإطلاق في مفهوم الخرافة، وهو ما يسبب تحولاً كبيراً في الدلالة، ويجعل إمكان الاتفاق بين جميع المدارس الفكرية أمراً متعذراً.
ليس الرفض الشرعي لحكم الكهنة أو المنجّمين، وتحريم الصلة بهم يعود مثلاً إلى استحالة وقوع ما يقولون، أو تحقق ما يدّعون بالضرورة، وإنما كما أشرنا، قد يعود السبب إلى خطورة هذه المسالك في تكوين الانطباع الخاطئ لدى الإنسان وقصوره عن معرفة الأسباب الحقيقة. في ذلك يقول ابن خلدون: "تبعث (هذه الصناعة) – ويقصد الخرافة – في عقائد العوام من الفساد إذا اتفق الصدق من أحكامها في بعض الأحايين اتفاقاً لا يرجع إلى تعليل ولا تحقيق، فيلهج بذلك مَن لا معرفة له، ويظنّ اطّراد الصدق مع سائر أحكامها، وليس كذلك، فيقع في ردّ الأشياء إلى غير خالقها". [المقدمة – ص1220].
وعليه يمكن الكلام على عمل المنجمّين في كونه عملاً غير صادر عن علم صحيح يُرجِعُ الناس إلى الحقيقة، وإنما هو توقعات فاسدة قد يتفق منها شيء على الواقع بالمصادفة. ومن أثر مثل هذا الاتفاق أن ينتهي بالعقل الساذج إلى الاشتباه في فهم الأسباب الحقيقية. فيقع في رد الأمور إلى غير الله، فيكون بذلك سبباً في إضعاف العقل التوحيدي والإيماني بصورة تدريجية. ثم لينتهي إلى التصرف كما لو كان يؤمن بأكثر من مصدر إلهي للكون. وعلى هذا النحو فإن المشكلة الكبرى في الخرافات أنها تغذّي الاستعداد النفسي للوقوع في ظلمات الشرك، وغياهب الوهم.
إن الانشداد الإنساني نحو الله، والكمال المطلق، والتوق العارم بفطرته نحو الخروج من ضيق الأطر المادية، والتأكد اللامتناهي من أن الطبيعة وحدها لا تعالج طموحاته، ولا تحقق آماله، وان سعادته الحقيقية، لا تكون بالاكتفاء بما تحسّه ظاهر القدرات الإدراكية الإنسانية.. لذا فإن كل ذلك يفترض البحث عن سبل فضلى لخروج الإنسان مما هو فيه من هذه المآزق.
تتصل العقائد الخرافية في جذورها، بحاجة الإنسان للتحرر من طوق وحصار الطبيعة المادية البحتة. بل هي تشير بقوة ووضوح إلى الاستعداد الإنساني الفطري لخرق الأطر المادية ورغبته العارمة في الإيمان بالماورائيات، لو صح لنا استخدام مثل هذا التعبير. والمشكلة أننا في الغالب لا نلتفت إلى الظواهر السلبية من هذه الزاوية الايجابية. بل كثيراً ما نغفل عن حقيقة أن المعضلة الكبرى في الخرافات لا تكمن في الاستحالة العقلية في إمكان وقوع ما يتصوره، أو يتخيله، أو يتكهنه او يراه الإنسان في هذه الحالات، بقدر ما تكمن في الطبيعة الانحرافية هذه الطرق؛ فضلاً عن الأخطاء الفادحة التي تقع في أثناء تحليل هذه الأحداث، وطريقة وقوعها، وسلسلة العلل، والأسباب المنطقية والعقلية، في تكوينها
لقد رافقت الخرافة بما هي ظاهرة اجتماعية منتشرة، حركة المجتمع الإنساني منذ البدء، وهي وإن تعددت وتنوعت في أشكالها، واختلفت في جذورها وأسبابها، إلا أنها كانت ولا تزال تشغل حيزاً واسعاً في حياة الإنسان، وتتفاعل بقوة خارقة مع العقل، والنفس، والشخصية البشرية، سلباً وإيجاباً.
أما ما يتعلق بالبحث عن مفهوم دقيق للخرافة، وتقديم تعريف حدّي لها، فلا مناص من القول أنها أمر في غاية التعقيد، والاشتباه المفهومي. فقد أطلقت، وعلى نطاق واسعة جداً، سيلاً هائلاً من المعتقدات التي تستعصي على التقبّل العقلي للوهلة الأولى. والحقيقة التي يجب ان تقال، هي ان الخرافة الشديدة الالتباس تحوّلت على مر التأريخ إلى سيف حاد حُمل على معظم المدارس والمذاهب والتوجهات الفكرية والأيديولوجية، وحتى الفلسفية والعقلية؛ ولا سيما بعد أن اتهمت هذه المدارس بعضها بعضاً بالبطلان والانحراف. وعليه فإن الخطاب التحريفي وإصدار الحكم على الرأي الآخر بالخرافة، والأسطورة، والانحراف، سوف يُحكم السيطرة على العلاقات، والمناظرات، ما جعل عملية الحسم أو البت في مصاديقها قضية في غاية الصعوبة.
على أن صعوبة التأطير المعنوي، والتحديد المفهومي للخرافة عائدة في جوانب أساسية، إلى الاستغلال الكبير الذي بات يشكل الأساس في تفعيل استخدام لغة "التخريف" والإقصاء في التعامل بين التيارات والتوجهات الفكرية المختلفة. ومما يثير الدهشة أن مذاهب تنتمي إلى دين واحد راحت تتبادل هذا الخطاب أيضاً، وترمي كل منها نظيرتها بالخرافة والأسطورة. هذا ما يحصل بالفعل بين الاتجاهات الدينية التي هي من جنس قريب جداً. أما المدارس المادية، والليبرالية، والعلمانية، فقد ذهبت في اتجاه معاكس. فسنجدها ترى إلى الخروج من حدود المادة، والاعتقاد بما وراء الطبيعة، بوصفهما خرافة صافية. في حين أن الأديان والرسالات السماوية، وما فيها من عقائد تخص الله والملائكة والجن والمبدأ والمعاد – ستتحول كلها بحسب هذه الأحكام – إلى مجرّد مجموعة من الخرافات استولدها المخيال البشري لمآرب في النفس، أو لأهداف مادية سلطوية طبيعية أو غرائزية.
ولقد كان واضحاً أن إسقاط هذا المفهوم على الإيمان الديني، والنظر إلى المعتقدات الدينية كافة كمحاصيل خرافية يؤسسها وينشئها الفكر الضعيف، والعقل المريض، أو يكوّنها ويصوغها العقل السياسي، هو السمة الكبرى في الخطاب النقدي الماركسي والعلماني في سياق حملته على الفكر الديني، وكذلك في خلال مجادلاته الكبرى مع عدد من الباحثين والعلماء والمثقفين المسلمين المعاصرين.
لسنا في مجال الإصرار على الاستغلال الواسع للمصطلح كمنهج معتمد لدى التوجهات المادية وذلك من قبيل إنكار وجود الخرافة أو الأسطورة التي لا أساس عقلياً لها، وإنما أردنا استثارة الذهن لكي يُتجنّب الوقوع في الشرك المادي نفسه. وأيضا لأجل تحقيق التوازن والاعتدال، لئلا تصل الأحكام ضد خلع صفة الخرافة على كل ما لا يدركه العقل في النظرة الأولى. إن هدفنا الأساسي هو تأكيد حقيقة أن هناك التباسا كبيراً في دلالة اللفظ، وأن أي توجه فكري، وأية نزعة فلسفية أو دينية، تصف الآخر بالخرافي، ومعتقداته بالخرافات إنما يتأتى حصرا من منطلق تفسيرها الخاص بها، للإنسان، والكون، والمبدأ، والمعاد، كما يتأتى من وجهة نظرها الحصرية حول العقل والإدراك الإنساني، وكذلك من منظار تعريفها للحقيقة وللمادة الطبيعية، ولما وراء ذلك. ومن المؤكد أن إطلاق هذا المفهوم على الوحي والمعجزة، أو على الكرامات، والكائنات غير المادية، هو أكثر ما يندرج في مخاطبات النزعة المادية. ناهيك عما يصوره الاتجاه العلماني الذي اعتاد على "تخريف" كل ما يعجز عن فهم دلالاته من المعتقدات الغيبية. ولعل الوجه الأشد خطورة من كل ذلك هو ما، يتمثل في تغلغل هذا التوجه "التخريفي" إلى عمق النخب الدينية. ما جعل الكثيرين منهم يبثون الشك، والتردد في معتقدات المتدينين على اعتبار أنها خرافات لا تنسجم وسلالة العقل.
في اعتقادنا إن لغة التخريف والتعويل عليها بوصفها مركزا للنقد في المدارس الوضعية، هي أمر طبيعي ومفهوم، ذلك لأن من طبيعة هذه المدارس وصف كل ما يتجاوز حدود المادة بالأمر الخرافي. بيد أن مأزقية المجتمع الديني المعاصر هي أنه لا يعاني من الخرافة والفكر الأسطوري، بقدر ما يعاني من المادية والابتعاد من الإيمانيات والمعتقدات. الأمر الذي يفرض على النخب الدينية، أدراك خطورة إضعاف روح، واستعداد الإنسان، باتجاه الارتباط بالغيب، والإيمان بما يوجبه الغيب. ونستطيع القول إن على هذه النخب واجب معرفة أن التأكيد غير المبرر لمقولة الخرافات داخل العقل الديني سوف يخلط الأمور، ويولد الاضطراب ويجعل "الشر الخرافي" حاضرا ضمن مسار واحد مع "الخير الغيبي".
إن الدين والإيمان في الأساس هما أمر معنوي، وروحي، وغيبي واحد. أمر يعطي الإنسان أبعادا وجودية لا متناهية. بها يعيش في عالم الشهود مستعينا بالعقل، والمعرفة، والمنطق، وبها أيضا يمكنه أن يبسط الخلافة الإلهية على الأرض. على حين أن التعامل مع كل ما هو ابعد من مدى الإدراك المادي، على انه خرافة وباطل، سينقلنا إلى الفوضى. ولسنا نظن أن "الإيمان بالغيب" يمكن أن يتحقق في مثل هذا المناخ، وان روح الادعاء والاستعانة بالله يمكن تحل في الإنسان، وان الأهداف السامية والغايات الكبرى من التشريع الديني يمكن كذلك أن تتبلور في المناخ إياه. ذلك لأن كل هذا يقبل التحقق إذا ما نشأ الإنسان وتربى على خط الإيمان بالغيب، وخصوصا إذا ما تنبهت نخب الدين والمجتمع إلى عدم تعريض الاستعداد الإنساني الفطري للإيمان لخطر كهذا.
لكن تبدو الإشارة ضرورية إلى أمر هام، وهو أن البعض قد يرد الخرافات المنتشرة إلى الإيمان الزائد والمفرط بالغيب. وهذه مغالطة خطيرة بقدر ما تنطوي على تشخيص خاطىء. وزعمنا أن العكس هو الصحيح، وأن الإنسان بطبعه، كائن مستعد لخرق الطبيعة والاتصال بمديات أبعد بكثير من حدودها المتناهية، وان أبعاده من الغيب الحقيقي الصحيح سيدفع به إلى أحد الشرين، المادي الإلحادي (الخرافة العظمى) أو التدين غير المؤيد بالعقل.
ولا ريب في أن التأسيس لمفارقة هذه المعضلة لا يكمن في إدانة الجانب "الماورائي" في الخرافات التي تأكد لنا أنها خرافات، وإنما في إدراك واقع ما تنطوي عليه من صور مشوهة، وغير منسجمة مع عالم الغيب، ومع الوجه الحقيقي الغيبي للإنسان.





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد

الشيخ نجف علي ميرزائي

نبذة عن الشيخ سماحة الشيخ نجف علي ميرزائي

حياته:

نبذة عن الشيخ سماحة الشيخ نجف علي ميرزائي

دراسته:

مؤلفاته:

  1. كتاب
  2. دراسة حول
  3. رسالة حول
  4. مقالات


ارسل لصديق