العنف في الرسوم المتحركة
كتبه: لؤي أمين
حرر في: 2009/08/24
التعليقات: 0
القراءات: 2590
تكسب الأفكار التي تصل إلى الأطفال عبر أفلام الرسوم المتحركة أنماطاً من السلوك الاجتماعي في حياتهم الاعتيادية وبيئتهم المادية

تكسب الأفكار التي تصل إلى الأطفال عبر أفلام الرسوم المتحركة أنماطاً من السلوك الاجتماعي في حياتهم الاعتيادية وبيئتهم المادية ، كما أنها تؤثر سلباً أو إيجاباً في عملية التكيّف الاجتماعي التي تسهم فيها الأجهزة الأخرى كالأسرة والبيئة ، إذ تلعب الرسوم المتحركة المعاصرة في وسائل الاتصال والمعلومات دوراً كبيراً في إحداث ديمغرافية فكرية جوهرية ، قد لا تتناسب مع واقع الثقافة الفكرية والتربوية للأطفال ومستقبلهم بشكل مباشر ، أو من خلال إدخال أفكار دخيلة في مركز اللاوعي عند الطفل ، بل الأفكار التي تقدم عبر هذه الأفلام قد تؤدي الى انفصام البنية التركيبية للفكر والمعتقد في الموروث الأخلاقي المرتبط بالدين والخلق.

وبجلسة متفحّصة لما يعرض على شاشات التلفاز في داخل بيوتنا ، نرى هذا الكم الهائل من العنف المبطّن عبر شخصيات محبّبة مثل توم وجيري التي يهواها الكثير من الأطفال حدّ العشق.
فهاتان الشخصيتان لا تتوانيان عن فعل أي شيء لإيقاع أحدهما بالآخر في أغلب حلقات هذا المسلسل .. فهما لا يتورعان عن استعمال السكاكين والقنابل والضرب بكل قسوة من أجل مصالحهم الشخصية وربما من أجل المتعة فقط...

فلنقف قليلاً ودراسة الأبعاد النفسية والسيكولوجية في تربية الطفل . فلا ينكر أن الرسوم المتحركة ذات تأثير نفسي وتربوي حاد وقوي جداً على إيجاد أخلاقيات جديدة عبر ما يطرح في تلك الأفلام ... فقد توافر أكثر من مؤثر حسّي ونفسي في كل لقطة من لقطاته.

فهو يمتلك الحركة كعنصر مؤثر ، إذ لا يخفى ما للحركة من أهمية في حياة الطفل ونموه العضلي فالحركة تمثل الحياة بالنسبة للطفل.

تأثير الألوان

يضاف إلى ذلك عنصر اللون الذي يؤثر في شبكية العين المرتبطة بالمخ مباشرة ، إذ يلعب اللّون بشد تركيز الطفل بطريقة مغناطيسية في منطقة مهمّة من الإدراك الواعي ... أما العنصر الثالث فيكمن في المؤثرات الصوتية والموسيقى التصويرية المتناغمة مع الحدث ،  التي تساعد على اكتمال عملية الشّد والإرخاء في التفاعل مع أحداث الفلم والقصة الموجهة من خلاله.

ولتداخل كل هذه المؤثّرات في وقت واحد جعل كل ما يطرح في الفيلم أو المسلسل الكارتوني من أحداث وأفكار ، معلومات ذات تأثير راسخ في ذهن الطفل يجب على الجهات المهتمة بتربية الطفل عراقياً وعربياً الاهتمام بتلك الصناعة وإعطاؤها الاهتمام الواضح لما تحمله من أهمية تربوية رفيعة.
فمن الواضح تداخل الأفكار والنزعات التربوية والنفسية في تهيئة المناخ الفكري الذي  قد لا يتلاءم مع واقعنا وتربيتنا.

وهنا مثال آخر مختلف عما تطرحه الرسوم المتحركة من أفكار.
مسلسل( ساندي بيل ) الكارتوني ، فجوهر القصة مبني على قصة حب جوهرها فكرة البوي فرند المقبولة غربياً والمرفوضة عند مجتمعاتنا بشكل عام.

فمع كل المؤثرات التي تم ذكرها في إيقاع صراع حاد داخل بنية وتفكير فتياننا وفتياتنا ، فلقد دلّت الكثير من الدراسات أن الطفل عادة يحاول التشبّه بالشخصيات التي تعرض عليه ، فهو يعتبرها مرآة صغيرة للعالم الحقيقي ، لذا فان عدداً من الأطفال والمراهقين يحاولون تقليد الأدوار التي تقدمها لكي يلعبوها في حياتهم الواقعية .

بصمات فكرية وسلوكية

لذا فإن ما يقدّم من عنف وأفكار وحركات عبر هذه الأفلام يتسلل الى نفوسهم ، بمحاولة تقليده ومحاكاته حتى يشعروا بانتمائهم الى عالم القيم الاجتماعية والأخلاقية عن طريق المشاهدة ، التي تؤدي إلى الاستجابة التي تتلاءم مع مفاهيم المجتمع المتحضر.
وإذا ما أكثرنا من العيّنات المعروضة على شاشة التلفاز فسنجد الكثير من الأفلام التي تنشئ الازدواجية في فكر طفلنا.
ويبدو من خلال مراقبة الطفل في علاقته الحميمة بالرسوم المتحركة وفي النتائج المترتبة على هذه العلاقة ، أن الكثير من البصمات الفكرية والسلوكية لا تلائم أطفالنا.
فهي قد صنعت في مصانع غربية لذا فمن حق منتجيها مخاطبة أبناء مجتمعاتهم مراعين تقاليدهم والقيم والمبادئ التي يريدون لأبنائهم أن يشبّوا عليها.
إن البدايات الأولى لصناعة الرسوم المتحركة أو المتسلسلة تعود إلى عام 1834 من خلال جهاز سمي بـ” الديواليوم “ ابتكره وليم جورج هورنر وهو عبارة عن جهاز اسطواني الشكل ، تلصق حوله مجموعة من الرسوم المتسلسلة ، ثم يغلّف بحاجز مفتوح فتحة واحدة تسع لصورة واحدة من صور الشريط ، بعد ذلك يتم تدوير الاسطوانة فتبدو اللقطة الظاهرة من فتحة الجهاز متحركة نتيجة هذا الدوران.

تطورت أساليب إنتاج الرسوم المتحركة بخطى سريعة..

وقد تكون البداية الفعلية لاكتمال التقنيات الفنية في إنتاج الرسوم المتحركة من صورة وصوت العام 1928 على يد الفنان المبدع والت ديزني ، إذ تم عرض أول أفلامه بطولة الشخصية الكارتونية ميكي ماوس الشهيرة.
لقد مرت على هذا الفلم ثمانون عاماً ، تطوّر فيها الإنتاج الكارتوني في العالم بشكل قفزات ، ليحاكي العالم الافتراضي وليرقى لدرجة أصبحت فيه الأشكال الكارتونية أقرب منها للحقيقة الخيالية ، مما جعل شركات الإنتاج السينمائي العالمية تستعين بهذه الأشكال كعنصر مهم في نتاجاتها العملاقة.
ومع مرور كل هذا الزمن الطويل من تطور هذه الصناعة .. فلم يخط العراق والدول العربية الخطوات الجادة في بناء البنى التحتية لصناعة الرسوم المتحركة بشخصيات وأفكار إنسانية محلية  ، تحمل أفكاراً ورؤى اجتماعية لا تتعارض مع الفكر والمعتقد الملائم لطفلنا.
مـع اعتزازنا بكل المحاولات العراقيـة والعربية في مجال الرسـوم المتحركـة ، لكنهـا مـا تزال لا ترتقـي إلى مستويـات بناء الأسس الفعلية لبناء إمكانيات متراكمة للرقي بهذه الصناعة هرمياً.
فنحن نرى إهمالا وتهميشاً غير مبررين لهذا المؤثر الفكري والعقلي والتربوي فـي بنـاء جيل جديد يمثّل نواة لمجتمع متحضّر.





ارسل لصديق نسخة معدلة للطباعة

لاتوجد تعليقات بعد


ارسل لصديق